السودان بين أجندات دولية متضاربة … بقلم: المستشار القانوني الدولي والمبعوث الخاص لدى المحكمة الدولية لتسوية المنازعات د. النذير إبراهيم محمد أبوسيل

يعيش السودان منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل ٢٠٢٤ واحدة من أعقد وأخطر الأزمات الإنسانية والسياسية في تاريخه الحديث. لقد تحولت الأزمة من نزاع داخلي بين السودان وشعبه ومؤسساته ومليشيا ال دقلو الارهابية المدعومة اماراتيا إلى ساحة صراع إقليمي ودولي، وسط تباين في المواقف وتضارب في الأجندات، فيما ظل الشعب السوداني وحده الضحية الأكبر لما يجري.الاجتماع الأخير لوزراء خارجية “الرباعية” (الولايات المتحدة، مصر، السعودية، والإمارات) جاء ليجسد هذا التباين.
فعلى الرغم من الاتفاق المبدئي بين الأطراف على ضرورة إنهاء الحرب وتلبية الاحتياجات الإنسانية، إلا أن غياب رؤية موحدة حال دون صدور بيان مشترك، ما كشف بوضوح حجم الخلاف حول كيفية إنهاء الحرب ولمصلحة من تُنهي.في مواجهة هذا التعثر، اختارت الولايات المتحدة التحرك منفردة عبر مبعوثها الخاص ومستشار الرئيس الأمريكي لشؤون أفريقيا، السيد مسعد بولس، الذي كثف لقاءاته مع الأطراف الإقليمية والدولية، وعرض خارطة طريق لإنهاء الحرب، تشمل ترتيبات لوقف إطلاق النار، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وتقديم دعم مالي عاجل لتجاوز آثار النزاع. وقد حرص بولس على تأكيد أن الرئيس دونالد ترامب يرغب في إنهاء الصراع بشكل عاجل، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها إعلان نوايا أمريكي لتولي زمام المبادرة بعيداً عن خلافات الشركاء الإقليميين.
غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في الرغبة بإنهاء الحرب، بل في طبيعة القوى التي سيتم التعامل معها في المرحلة المقبلة. فالمجتمع الدولي، بما فيه الولايات المتحدة والأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، يواجه معضلة تتعلق برفض الاعتراف بأي واجهات سياسية تسعى لتبييض صورة قوات الدعم السريع وتحويلها إلى شريك شرعي في مستقبل السودان، لما ارتكبته من فظائع. هذا الموقف يفسر استبعاد ما يُعرف بتحالف “تأسيس” من الدعوات للحوار، وما تبعه من انسحابات واعتراضات أربكت مسار التفاوض.إن ما شهده السودان منذ أبريل ٢٠٢٤ لا يترك مجالاً للشك. فالمليشيات المسلحة الارهابية بقيادة دقلو ارتكبت جرائم ممنهجة ضد المدنيين إبادة جماعية وتطهير عرقي وقتل وتهجير جماعي، نهب ممتلكات، تدمير بنى تحتية، واستهداف للمستشفيات والمدارس. هذه الأفعال وثّقتها منظمات دولية معتبرة، وأجمعت على أنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. الأخطر من ذلك أن هذه المليشيات لم تكن تتحرك بمعزل عن دعم خارجي، بل تلقت تمويلاً وتسليحاً وتدريباً من أطراف إقليمية، وفي مقدمتها دولة الإمارات، التي لعبت دوراً محورياً في إشعال الصراع عبر تقديم دعم مباشر للمليشيات وجلب مرتزقة أجانب إلى أرض السودان. وهو ما يجعل من غير المنطقي أو المقبول أن تُمنح هذه الدولة دوراً في أي عملية سلام مقبلة، بعدما كانت طرفاً رئيسياً في صناعة المأساة.
إن مستقبل السودان لن يبنى على تفاهمات شكلية أو تسويات هشة تُبقي على جذور الأزمة. السلام العادل والدائم يتطلب مقاربة جريئة تضع في أولوياتها:
1. احترام سيادة السودان ووحدته الوطنية.
2. إقصاء الميليشيات المسلحة وكل من ارتكب جرائم حرب من أي تسوية سياسية.
3. فرض عقوبات صارمة على قادة الميليشيات وداعميهم.
4. تبني مسار انتقال آمن يقوده السودانيون أنفسهم، مدعوماً بمظلة دولية تضمن العدالة والإصلاح وإعادة بناء مؤسسات الدولة.
لقد آن الأوان للمجتمع الدولي أن يتجاوز حساباته الضيقة، وأن يتعامل مع السودان باعتباره دولة ذات سيادة لا ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. وعلى الإدارة الأمريكية، بقيادة الرئيس ترامب، أن تدرك أن الفرصة ما زالت قائمة لتصحيح المسار، شرط أن تُبنى أي خطة على مصالح الشعب السوداني وحده، لا على توازنات القوى الإقليمية.
إن الشعب السوداني يستحق سلاماً عادلاً، وأمناً دائماً، ومستقبلاً يليق بتضحياته. ولن يتحقق ذلك إلا عبر مقاربة تضع السودان والسودانيين فوق كل اعتبار.
أنواء الروح.. شهادة قلم عاصر الانكسار (الحلقة السابعة عشرة) قلق الخروج
■ غادرنا رفيق الدرب الثالث، ذاك التاجر الدارفوري الذي قاسمنا وجع اللحظة؛ وضعناه أمام عتبة …





