حسن النخلي يكتب: التحليق وسط الزحام _إيلا …ورحيل الغمام

يموت أناس كثيرون قبلك
كأنھم من ھوان الفقد ماوجدوا
بعيدا عن الزخم السياسي والإنتماءات الحزبية الضيقة مهما اتسعت، إلي رحابة العطاء الإنساني ،كان الراحل المقيم محمد طاهر إيلا محل تقدير واحترام الجميع، ولا يستطيع أحد سليم السريرة أن يقدح في سيرة الرجل.
إيلا رجل كان يتمتع بكاريزما قوية مع التواضع والذكاء المتقد، روحه تصلك قبل أن تراه، وإنجازاته وفكره شاهد على صدقه. فقد حول بورتسودان من مدينة على هامش الوجود إلى مدينة في قلب الوجود فاصبحت ضمن المدن الساحلية التي يشار إليھا بالبنان ، وحقق لإنسان الشرق ما يصبو إليه كل ملهوف، وأثلج صدر أهل الشرق في غير ما تحيز أو جهوية أو قبلية، حتى غدت بورتسودان قبلة الأنظار إلى يومنا هذا، مما مكنها بأن تكون عاصمة إدارية تصلح لإدارة البلاد، ويرجع الفضل لذلك الرجل رَحِمَهُ اللهُ فلم يتعلل بعدم توفر المال، بل هو من استنبطه وطوع الموارد وحفز القدرات ببراعة وعنوة واقتدار حتى بات حديث الناس.
ولقد كنت شديد الإعجاب به لأنه يمثل أنموذجا للرجل الثوري الذي يمتلك مقدرات التغيير حقيقة لا شعارات. وفي تلك الفترة من مراحل نهضة مدينة بورتسودان، شاءت الأقدار أن أكون شاهدا عليها ومشاركا فيها عندما كنت مديرا لإحدى شركات الاستثمار السورية التي قامت بتنفيذ بعض الأعمال بالقاعدة البرية” فلامنقو” بطلب من شركة النصر للإنشاءات التابعة لقوات الشعب المسلحة و المنفذ لبناء لمشروع القاعدة مع شركات أخري برعايتھا . فعاصرت الفرق الكبير الذي أحدثه الفقيد في الولاية عامة من حيث الخدمات والبنية التحتية، وكان ذلك في العام 2010 على ما أذكر. ولم يهتم محمد الطاهر إيلا فقط بمظهر المكان، بل كان جل اهتمامه الإنسان. وذلك أيضا كنت عليه شاهد عيان عندما أصيب أحد عمالنا بنوبة صدرية أزمة متأثرا بتغيير الجو من الخرطوم إلى بورتسودان، فأخذناه إلى المستشفى العام ببورتسودان. وكنت متوجسا من جودة الخدمات الطبية، ولكن ما إن دخلنا المستشفى ومن البوابة اطمأن قلبي من النظافة والسفلتة والنظام. ذهبنا إلى غرفة الطوارئ، فقابلنا الطبيب المناوب، وفي لمح البصر دلفنا إلى صالة طويلة في الممر بها أنابيب الأكسجين للتنفس مصطفة وأرائك للمرضى لتلقي العلاج والإنتظار . وما إن مضت لحظات حتى صافح صاحبنا العافية و تنفس صاحبنا الصعداء وأبرق بعينه أن كل شيء على ما يرام.
ونحن الآن تدمع أعيننا لفقدنا الجلل في أخينا الصغير الكبير بما ترك من حسن الصنيع. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له). ونحسب أن الرجل قد حاز الثلاث، ولا نزكيه على الله، ولكن نشهد بما علمنا. وإنا إليه راجعون، تغمده الله برحمته الواسعة وجعل الجنة مثواه، والعزاء لكل أهل السودان قاطبة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
نقطة سطر جديد.
وعلى ذكر إعجابي بھمة وسيرة الرجل، تمنيت أن ألقاه ولو من على البعد دون أحدِّثه، لتكتمل عندي الصورة ولكأني كنت أريد ممن رأي لا ممن سمع . فتشاء الأقدار أن ألقاه على عجالة في جمع ليس بالغفير، لأنه رَحِمَهُ اللهُ كان في زيارة تنم عن ذكاء الرجل وسعة علاقته بالمجتمعات. وكان ذلك اللقاء بمدينة الكرمت بمحلية المناقل عندما تولى أمر ولاية الجزيرة في دار والد صديقي وأخي رجل الأعمال رفعت أحمد دفع الله. ورأيته وصافحته ضمن المصافحين، ولكن الرجل كان منهكا ويضع في أنفه قطعة من القطن لوقف النزيف. وبرغم كل ذلك كان لازما عليه كما علمنا حضور مباراة بالمناقل على شرف افتتاح استادها. ولم يتناول من المأدبة المعدة على شرفه شيئا لا هو ولا من كانوا معه، واكتفوا بفنجان قهوة أو جرعة ماء. وأنا ما زلت أقرب حركات الرجل وسكناته، وأصابني الإشفاق عليه لما بدا عليه رغم التماسك من الفتور والإعياء. وعند مصافحته لوالد صديقي وهو الحاج أحمد دفع الله وكان مقعدا رَحِمَهُ اللهُ – أخذ كرسيا وجلس بقربھ وبدأ كلاهما في الحديث عن هموم المنطقة بإجمال، والكل يستمع في جلسة كانت تضم أبناء وأحفاد الحاج أحمد وبعض الأصدقاء المقربين للعائلة الكريمة. بادر المغفور له بإذن الله محمد الطاهر إيلا حاج أحمد بسؤال فقال بالحرف الواحد: (أوصني). فرد عليه الحاج أحمد وهو يضع يديه على فخذ إيلا مربتنا وعلامة على الرضا: (خاف الله في الناس). وبدت على وجه إيلا علامات السرور والارتياح، ولو لوعلم حاج احمد عنه غير الخير ما اخلص النصح ولاطلب إيلا النصح إبتدأ ونھض إيلا موعدا بعد أن شمل الحاج أحمد الجميع بالدعاء، واستبطأ الجميع مغادرته. إلا الشباب فكان لهم مع لقاء في افتتاح الملعب فرحلوا معه ، وجلسنا نحن الشيوخ والقلوب رجاء.
ولله ماأعطي ولله ماأخذ وكل شئ عندھ بأجل مسمي ولا نقول إلا مايرضي الله.
وحفظ الله البلاد والعباد.
جيش واحد شعب واحد.
ودمتم سالمين ولوطني سلام.
الأربعاء /8/10/2025
شراكة سودانية مصرية لتطوير التدريب المهني وتمكين الشباب
في إطار تعزيز التعاون الثنائي بين السودان ومصر عقد وزير تنمية الموارد البشرية والرعاية الا…





