‫الرئيسية‬ مقالات د. أبو عبيدة محمد السيد الكودابي يكتب رؤية شاملة لحكم ناجح في السودان
مقالات - أكتوبر 8, 2025

د. أبو عبيدة محمد السيد الكودابي يكتب رؤية شاملة لحكم ناجح في السودان

د. أبو عبيدة محمد السيد الكودابي يكتب رؤية شاملة لحكم ناجح في السودان

بين التعددية الثقافية وتطبيق

يُعد السودان من أكثر الدول تنوعًا في إفريقيا والعالم العربي، إذ يضم أعراقًا وثقافات وديانات متعددة. ويُشكل الإسلام أحد أبرز مكونات هويته التاريخية والاجتماعية، مما يجعل تحقيق حكم ناجح فيه أمرًا يتطلب رؤية شاملة تراعي هذا التنوع وتستوعب قيم الدين ومبادئ العدالة ومتطلبات العصر الحديث.

لقد مر السودان بتجارب حكم متعددة، من بينها تجارب تطبيق الشريعة الإسلامية في بعض الحقب، والتي رغم نُبل مقصدها، واجهت تحديات سياسية واجتماعية حالت دون تحقيق النموذج الأمثل. ومن ثم، فإن بناء نظام حكم ناجح اليوم يقتضي التوازن بين الأصالة والتجديد، وبين القيم الدينية والواقعية السياسية، بما يخدم وحدة البلاد واستقرارها.

أولًا: أسس الحكم الناجح في السودان

1. العدل أساس الحكم (لا المساواة المطلقة)

العدل هو الركيزة الكبرى لأي نظام حكم رشيد، وبدونه تنهار الأمم مهما بلغت قوتها. قال الله تعالى:
> ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ (النحل: 90).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

> «إِنَّ الْمُقْسِطِينَ عِندَ اللَّهِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي حُكْمِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وُلُّوا» (رواه مسلم، رقم 1827).

فالعدل لا يعني المساواة المطلقة، بل هو إعطاء كل ذي حق حقه، ووضع الأمور في مواضعها. أما المساواة المجردة فقد تكون ظلمًا إذا لم تُراعَ الكفاءة أو الحاجة أو الجهد.
قال ابن القيم رحمه الله:

> “العدل نظام كل شيء، فإذا فُقد العدل فُقد نظام العالم.” (إعلام الموقعين، ج4، ص87).
وفي السودان، يتحقق العدل بإرساء دولة القانون، وضمان الحقوق للجميع دون تمييز على أساس العرق أو الدين أو الجهة، مع مراعاة العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة والخدمات وهذا ما كفلته الشريعة الاسلامية في تعاملها مع المسلم وغير المسلم في الوطن الواحد .

2. المشاركة السياسية والشورى

المشاركة السياسية ركيزة أساسية للحكم الراشد، وقد قررها الإسلام في مبدأ الشورى. قال تعالى:

> ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ (الشورى: 38).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

> «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا، وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ» (رواه البخاري، رقم 7142).

يتحقق الحكم العادل بمشاركة جميع فئات المجتمع — من أحزاب سياسية، ومؤسسات مدنية، ونساء، وشباب مع الاستعانة بأهل الحل والعقد في عملية اتخاذ القرار، مما يضمن الشفافية والمساءلة ويحول دون احتكار السلطة. وقد أثبتت التجارب أن غياب الشورى يؤدي إلى الاستبداد والانقسام.

3. التنمية الاقتصادية الشاملة

الاقتصاد القوي هو أساس الاستقرار الاجتماعي والسياسي. قال تعالى:

> ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾ (الملك: 15).

وتتحقق التنمية بالعدالة في توزيع الثروة واستثمار الموارد الزراعية والمعدنية الهائلة التي يزخر بها السودان.
ولا تقتصر التنمية في الإسلام على الجانب المادي، بل تشمل تحقيق الكفاية والكرامة الإنسانية، كما قال تعالى:

> ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّىٰ يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ (النور: 33).

4. السلام والاستقرار
قال الله تعالى:

> ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ (الأنفال: 61).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

> «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ» (رواه البخاري، رقم 10).

تحقيق السلام في السودان يستلزم معالجة جذور النزاعات بالعدل والحوار والتنمية، لا بالقوة وحدها. فالتنمية المتوازنة والمصالحات الاجتماعية هي السبيل لبناء استقرار دائم.

5. الاحترام المتبادل والتنوع الثقافي

قال تعالى:

> ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ (الحجرات: 13).

يُعدّ التنوع الثقافي ثروةً وطنية إذا أُدير بروح العدالة والتسامح. فاحترام الثقافات واللغات والعادات المختلفة يرسّخ هوية سودانية جامعة تتجاوز الانقسامات العرقية والجهوية.

ثانيًا: الشريعة الإسلامية وتجارب الحكم في السودان

1. التجارب السابقة وتحدياتها

شهد السودان محاولات لتطبيق الشريعة الإسلامية خلال فترتي الرئيس جعفر نميري (1983م) وحكم الإنقاذ (1989–2019م).
ورغم نبل المقصد، واجهت هذه التجارب تحديات عديدة، منها:

تسييس الشريعة وجعلها وسيلة للشرعية السياسية.

ضعف المؤسسات العدلية والرقابية.

غياب الشورى واحتكار القرار.

عدم مراعاة التنوع الثقافي والديني داخل المجتمع السوداني.

لم يكن الإخفاق في أصل الفكرة، بل في منهج التطبيق وضعف الفهم المقاصدي للشريعة.

2. الشريعة بين الأصل والتطبيق

الشريعة الإسلامية ليست مجموعة قوانين فقط، بل منظومة قيم ومقاصد تسعى لتحقيق العدالة والرحمة وكرامة الإنسان. قال النبي صلى الله عليه وسلم:

> «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلَاقِ» (رواه مالك في الموطأ، رقم 1614).

ومقاصد الشريعة الكبرى — حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال — تهدف إلى تحقيق مصلحة العباد ودفع الفساد عنهم. فإذا أدى التطبيق إلى ظلم أو تهميش، فهو خارج عن روح الشريعة وإن رُفع شعارها.

3. إمكانية إعادة تطبيق الشريعة بإصلاح الخلل

يمكن للشريعة الإسلامية أن تكون أساسًا صالحًا للحكم في السودان إذا رُوعيت دروس الماضي، وتم إصلاح منهج التطبيق عبر:

1. التركيز على المقاصد قبل الحدود، لأن الشريعة جاءت للرحمة لا للعقوبة.

2. التدرج في التطبيق بما يناسب واقع المجتمع السوداني وتنوعه.

3. تجديد الفقه السياسي الإسلامي ليستوعب مفاهيم الدولة الحديثة.

4. دمج مبادئ الشريعة مع قيم المواطنة لضمان الانتماء للجميع.

5. تحقيق العدالة الاجتماعية أولًا؛ فالجائع لا تُقام عليه الحدود قبل إطعامه.

وقد قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه:

> “لو أن الناس جاعوا في عهدي لخشيت أن يعذبني الله ولو أقمت عليهم الحدود.” (نقله ابن تيمية في كتاب الحسبة، ص 27).

4. دروس من النماذج الناجحة

تجربة المدينة المنورة: أقامت أول نموذج لدولة المواطنة القائمة على تطبيق الشريعة الإسلامية و العدل والمساواة في الحقوق، من خلال “صحيفة المدينة” التي ضمنت حرية المعتقد والتعاون في الدفاع عن الوطن.

تجارب معاصرة مثل إندونيسيا وماليزيا و الدول التي طبقت مبادئ إسلامية في الاقتصاد والإدارة والتشريعات دون فرض أيديولوجي، فنجحت في بناء دولة متقدمة ومتعايشةم.

ثالثًا: الرؤية المستقبلية للحكم في السودان

1. دولة المواطنة والعدالة

ينبغي أن يُبنى الحكم في السودان على مواطنة متساوية في الحقوق والواجبات، تكون الشريعة فيها مرجعية قيمية تُعزز العدل والرحمة لا وسيلة للإقصاء.
قال تعالى:

> ﴿لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (المائدة: 8).

2. تعزيز الهوية الوطنية الجامعة

يجب بناء هوية وطنية تقوم على العدالة والتنوع، وتستمد روحها من الإسلام الذي يدعو إلى التعارف والتعاون لا التصارع.
3. التنمية المتوازنة

تحقيق العدالة في التنمية بين المركز والأطراف شرط أساسي لوحدة البلاد واستقرارها، إذ لا يمكن تحقيق السلام دون عدالة اقتصادية ومشروعات تنموية متوازنة.
4. التعليم وبناء الإنسان

قال النبي صلى الله عليه وسلم:

> «طلب العلم فريضة على كل مسلم» (رواه ابن ماجه، رقم 224).

يجب أن يكون التعليم وسيلة لترسيخ قيم المواطنة والانتماء، وتنمية مهارات التفكير والإبداع والمساءلة، ليكون الإنسان محور التنمية وأداتها.

5. الشفافية والمساءلة

قال تعالى:

> ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ﴾ (الصافات: 24).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم:

> «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته» (رواه البخاري، رقم 893).

الشفافية والمساءلة هما ضمانة نجاح الحكم واستقامة مؤسسات الدولة، وهما من مقاصد الشريعة ومبادئ الحكم الراشد.

الخاتمة

إن بناء حكم ناجح في السودان يتطلب رؤية متوازنة تجمع بين الشريعة الإسلامية التي تحقق العدل والرحمة، والتعددية الثقافية التي تضمن التعايش والمواطنة.
فإذا طُبقت الشريعة بروحها المقاصدية العادلة، ضمن مؤسسات حديثة شفافة، فستكون أساسًا للوحدة والتنمية.
إن العدل هو جوهر الإسلام، والمواطنة هي ضمان الاستقرار، والتنمية هي طريق النهضة.
وبالتزام القيادة والمجتمع بهذه القيم، يمكن للسودان أن يقدم نموذجًا متميزًا للحكم الرشيد يجمع بين الإيمان والعقل، والدين والدولة، والشورى والديمقراطية.

المراجع

1. القرآن الكريم.

2. صحيح البخاري، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى.

3. صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي.

4. موطأ الإمام مالك، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي.

5. ابن تيمية، الحسبة في الإسلام.

6. ابن القيم، إعلام الموقعين عن رب العالمين.

7. كتب الفكر الإسلامي والسياسة الشرعية المعاصرة.

8. وثيقة المدينة المنورة (مصادر السيرة النبوية).

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…