‫الرئيسية‬ مقالات حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

أصل_القضية من سلسلة الجسر والمورد  محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية،

إلا اختطافها.

فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها،

لا تظل بلا رواية،

بل تتحوّل إلى ساحة مفتوحة،

تتنازعها الجماعات،

وتتداولها المنصات،

ويُعاد تشكيلها من الخارج

بلغة لا تشبهها،

وبمصالح لا تمثلها.

هنا لا يعود السؤال:

ما هي السردية الصحيحة؟

بل السؤال الأخطر:

من يملك حق الكتابة أصلًا؟

ومن هنا نبدأ #أصل_القضية

 

أولا- السردية حين تُنزَع من يد الدولة

 

في التجربة السودانية،

لم تُغَيَّب السردية الوطنية صدفة،

بل جرى تفريغها تدريجيًا،

حتى صارت الدولة كيانًا إداريًا بلا قصة،

بينما تولّت أطراف أخرى مهمة “الشرح والتبرير”.

جماعات تكتب لتُبرّئ نفسها.

نخب تكتب لتحتكر المعنى.

منصات تكتب لتستثمر في الألم.

ومنظمات تكتب بلغة إنسانية…

لكن خارج أي تفويض وطني.

النتيجة؟

لم نعد نعيش داخل سردية دولة،

بل داخل سوق سرديات،

كلٌّ يبيع روايته،

ويطالب الآخرين بتصديقها.

 

ثانيا – من الذي لا يملك حق كتابة السردية الوطنية؟

 

السردية الوطنية ليست حقًا يُنتزع بالضجيج،

ولا تُمنح لمن يملك المنصة الأعلى صوتًا.

لا يملكها:

من يختزل الدولة في جماعته.

من يكتب من خارج الألم الوطني ثم يطلب الوصاية عليه.

من يستبدل سؤال كيف نبني الدولة؟

بسؤال كيف نُدين الخصم؟

لأن السردية الوطنية لا تُكتب لتُدين،

بل لتُفسّر.

ولا تُصاغ لتُبرّر،

بل لتُحمّل الجميع مسؤولية الكلفة.

 

ثالثا- الخلط القاتل: السردية أم الدعاية؟

 

أخطر ما حدث،

أن كثيرين خلطوا بين السردية الوطنية

والدعاية السياسية.

الدعاية:

تختار الوقائع

تُسقِط ما لا يخدمها

تبحث عن تصفيق سريع

أما السردية:

تتحمّل الوقائع كما هي

تفسّر الهزيمة قبل الانتصار

تشتغل على الزمن الطويل

الدعاية تخاطب الغرائز.

السردية تُخاطب الوعي.

ولهذا…

تخاف الجماعات من السردية الوطنية،

لأنها تُفقدهم احتكار التأويل.

 

رابعا -حين يُسمّى الخداع نصحًا

 

في أصل الحكاية الأولى،

لم يُخطئ آدم عليه السلام لأن الحقيقة كانت غائبة،

بل لأن الخداع تزيَّا بلباس النصح.

قال الله تعالى:

﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ﴾.

لم يدر في خلد آدم ولا حواء

أن هناك من يُقسم بالله وهو كاذب.

لم يتصوّرا أن التضليل قد يأتي

بلغة الاطمئنان،

ولا أن الخيانة قد تُقدَّم بوصفها مصلحة.

إبليس لم يُجبر،

ولم يُكره،

بل سمّى الأشياء بغير مسمياتها:

سمّى الطمع حكمة،

وسمّى المخالفة نصحًا،

وسمّى السقوط ترقية.

وهكذا يبدأ استلاب الوعي دائمًا…

لا بالكذب الصريح،

بل بتحريف المعنى.

 

خامسا – من إبليس السردية… إلى أبالسة اليوم

 

على ذات الخُطى يسير أبالسة اليوم.

لا يهاجمون الدولة من خارجها،

بل يخترقونها من لغتها.

لا يقولون: نريد تفكيك السردية الوطنية.

بل يقولون: نريد “تطويرها”.

لا يقولون: نبرّئ أنفسنا.

بل يقولون: نقدّم “قراءة واقعية”.

ولا يقولون: نحتكر المعنى.

بل يقسمون – رمزيًا –

أنهم “أنصح الناس”.

وهنا مكمن الخطر:

حين يُقدَّم التلاعب بوصفه وعيًا،

ويُسوَّق الاختطاف بوصفه تنوّعًا،

وتُسمّى الدعاية… سردية.

حين تتحول السرديات إلى أدوات تبرير

في غياب الإطار الجامع،

كل سردية فرعية تبدأ بجملة غير معلنة:

نحن لسنا السبب.

وهكذا:

تُبرّئ العسكرية نفسها بإلقاء العبء على السياسة.

تُبرّئ السياسة نفسها بالحديث عن التعقيد.

يُبرّئ الاقتصاد نفسه بالحديث عن الحرب.

لكن السردية الوطنية الحقيقية

لا تُبرّئ أحدًا،

بل تُعيد ترتيب المسؤوليات داخل قصة واحدة.

قصة لا تقول:

من المخطئ؟

بل تسأل:

كيف وصلنا إلى هنا؟

وما الكلفة؟

ومن يدفعها؟

ولأجل ماذا؟

 

سادسا – الجسر والمورد: استعادة السردية من الجماعات

 

في رؤية الجسر والمورد،

استعادة السردية ليست معركة إعلام،

بل معركة سيادة ناعمة.

السردية الوطنية يجب أن تعود:

من الجماعات إلى الدولة

من المنصات إلى المشروع

من الانفعال إلى المعنى

لأن الدولة التي لا تستعيد سرديتها،

لن تستعيد قرارها،

ولو امتلكت السلاح والموارد.

 

#أصل_القضية،،،

السؤال ليس:

من يكتب أكثر؟

ولا من صوته أعلى؟

السؤال الحقيقي:

من يكتب باسم الدولة… لا باسم نفسه؟

نواصل…

‫شاهد أيضًا‬

انهيار المليشيا

لم تعد الانتصارات الأخيرة في كردفان حدثا عابرا في سجل الحرب بل تحولت إلى علامة فارقة تكشف …