السودان: حين يغيب الإخاء يسود الخراب
شيء للوطن م.صلاح غريبة

Ghariba2013@gmail.com
تمرّ على العالم ذكرى “اليوم الدولي للأخوة الإنسانية”، والقلب ينزف على وطنٍ كان يُضرب به المثل في التكافل والترابط، لكنه اليوم يرزح تحت وطأة حربٍ ضروس لم تكن لتشتعل لولا تصدّع جدار “الأخوة” وغياب ثقافة الحوار. إن ما يحدث في السودان اليوم ليس مجرد صراع سياسي أو عسكري، بل هو عرض لمرضٍ أعمق: غياب الوعي الإخوي وتغليب منطق “الأنا” الإقصائية على “نحن” الجامعة.
تُعلمنا مبادئ الأمم المتحدة ووثيقة “الأخوة الإنسانية” أن الحوار لا يعني التطابق في الرأي، بل هو اعتراف متبادل بالإنسانية المشتركة. في السودان، تحوّل الاختلاف السياسي والجهوي إلى خناجر تُشرع في وجه الآخر، وغاب “الإصغاء المسؤول” الذي كان يمكن أن يجنب البلاد ويلات النزوح والدمار.
إن غياب الحوار الحقيقي في الشأن السوداني أدى إلى تحويل التنوع — الذي هو مصدر قوة — إلى ثغرة ينفذ منها الاستقطاب. نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إدراك أن الأخوة ليست قيمة أخلاقية مجردة، بل هي صمام أمان وطني. فعندما نغض الطرف عن حقوق شريكنا في الوطن، أو نستجيب لخطاب الكراهية، فإننا نهدم اللبنة الأولى في بناء السلام.
بينما يرى البعض أن الحرب في السودان هي صراع على السلطة أو الموارد، نجد أن المحرك الأساسي هو انهيار منظومة القيم الأخوية. إن استغلال الاختلافات الثقافية والقبلية لتأجيج نيران الحرب، كما حذر الأمين العام للأمم المتحدة، هو ما جعل الصراع في السودان مريراً وطويلاً.
لقد فُقدت “البوصلة الأخلاقية” التي تحترم حق الآخر في الوجود والكرامة. إن عدم الاهتمام بمبادئ الأخوة يعني ببساطة غياب التراحم، وحين يغيب التراحم يصبح كل شيء مباحاً، من ترويع الآمنين إلى تدمير البنية التحتية. الحرب تبدأ في “عقول البشر” قبل أن تنتقل إلى الميادين، ولن تنتهي إلا بترسيخ ثقافة السلام القائمة على رفض التمييز والعنصرية بكل أشكالها، وتفكيك الصور النمطية التي تعزل المكونات السودانية عن بعضها، وإدراك أن مصيرنا كـ “أسرة سودانية واحدة” هو مصير مشترك؛ فإما أن ننجو معاً بالحوار، أو نغرق معاً بالانقسام.
لا يمكن بناء سودان جديد دون العودة إلى المبادئ التي نادت بها وثيقة الأخوة الإنسانية: التسامح، سعة الأفق، واحترام التنوع. يجب أن يتحول التعليم والإعلام إلى منصات لترسيخ الوئام الاجتماعي، بعيداً عن خطاب “الشك والارتياب” الذي سمم الأجواء العامة.
إن “الأبواب السبعة” التي ترمز للأخوة والسلام في مبنى الأمم المتحدة يجب أن تفتح في قلوبنا أولاً. السودان يحتاج إلى “هبة أخوية” يتجاوز فيها الجميع مرارات الماضي، ويؤمنون بأن الحوار هو الطريق الوحيد لفض النزاعات. إن السلام ليس مجرد غياب لصوت المدافع، بل هو حضور طاغٍ لقيم التضامن والاعتراف بحق الجميع في العيش بكرامة.
ختاماً، إن احتفاء العالم بالأخوة الإنسانية في الرابع من فبراير هو تذكير لنا في السودان بأننا لسنا أعداءً بالفطرة، بل إخوة بالضرورة. إن طريق الخلاص يبدأ بالعودة إلى منصة الحوار، وإعلاء قيمة الإنسان فوق كل اعتبار سياسي أو أيديولوجي.
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





