ما وراء البحار بقلم: عباس حمدون “أنثى تَّربت بين يدي جيلين [تربية الحبوبات]”
![ما وراء البحار بقلم: عباس حمدون “أنثى تَّربت بين يدي جيلين [تربية الحبوبات]” ما وراء البحار بقلم: عباس حمدون “أنثى تَّربت بين يدي جيلين [تربية الحبوبات]”](https://5minute-news.com/wp-content/uploads/2025/06/IMG-20250613-WA0033-832x475.jpg)
٧-١١-٢٠٢٥
في مجتمعنا الصغير، وداخل بيوت الحبوبات العتيقة التي تحمل عبق الأجيال، وُجدت فئة نادرة من الفتيات عشن تجربة فريدة، نتيجة صفقة من الصفقات الاجتماعية، التي تحكمها العادات والتقاليد. وُلدن في جيل وتربين مع جداتهن، كجيل آخر، بعيداً عن دفء الوالدين والإخوة، وخارج أسوار بيت الأب.
غالباً ما تتحوّل تلك الفتيات، مع بلوغهن مرحلة النضج، إلى ظاهرة اجتماعية متميزة تلفت الأنظار، فإحداهن تنضج روحها طيبة وهادئة كالسلام، تشعّ سكينة أينما حلّت، وأخرى تتفتح عبقريتها بين صفوف الدراسة، فتغدو متألقة بين زميلاتها، تحمل فكراً ناضجاً وطموحاً يسبق عمرها، وثالثة يكسوها جمال ناعم، لكنها عنيدة كالبحر، ترفض كل من يتقدّم لخطبتها دون أن تُفصح عن سبب واضح. وبينهن أيضاً من تتحوّل إلى امرأة قوية طموحة، تنتزع نجاحها من بين أنياب الفقر، وتشُقّ طريقها بثقة وإصرار في عالم الاستثمار، حتى تصبح رمزاً للإرادة والتحدّي.
ورغم كل هذا النجاح الظاهر، تعيش هذه الفتاة في عزلة داخلية صامتة، تراقب إخوتها وهم يغتسلون في بحر حنان الوالدين، بينما يسكنها بعض من الأسئلة:
لماذا كنتُ أنا ضحية العطية؟
لماذا اختاروني أنا لأُبعَد عن حضن الأسرة؟
هل حقاً الأم هي مركز الحنان كما يقول التاريخ؟
وأين كان أبي حين سلَّموني لبيت الجدة؟
تأتي الإجابات من تربية الحبوبة نفسها؛ فإن كانت الجدة حكيمة صالحة، صارت البنت امتدادا لمدرسة الأخلاق الأصيلة، تنسج من صمتها وحنانها امرأة ناجحة تحمل عبق جيلين. أما إن افتقدت الجدة تلك الحكمة، فقد تنشأ الفتاة وهي تصارع رياح الاكتئاب وتعيش قيد الأسئلة التي لا تنتهي حتى تسكن التراب.
من حظيت بتربية الأثر الرجعي على يد جيل عتيق ذهبي، جيل كانت تحكمه الأخلاق وتجمعه روابط الجيرة والتكافل، جيل يرى الدنيا دار مرور لا دار خلود.. فإنها تنشأ امرأة متوازنة، أما ناجحة في حياتها أو أمّاً رحيمة بأبنائها، تعلم أن لا تُعيد أخطاء الماضي في تفضيل أحدهم على الآخر.
ومع ذلك، كثيراً ما يُنظر إليها من المجتمع على أنها مدلّلة أكثر من اللازم، لأنها تلقت من الجدة حباً بلا حدود. تربية الحبوبات لا تعرف المساومة، ولا تسمح لأحد أن يشاركها القرار التربوي، بخلاف تربية الوالدين التي تشبه إدارة الدولة:
الأم تمثل كتلة اليسار المُعارض بصوت الرحمة والحقوق،
والأب هو كتلة اليمين في سلطة الحكم الأبوي للأسرة التي تحسم الفوضى عند الحاجة.
أما ابنة الحبوبة فقد نشأت في كنف حكمٍ مطلقٍ لا يعترف بالمعارضة، ولذلك تبدو غارقة في الدلال.
واليوم، مع تغيّر الزمن وتبدّل العادات، كادت تلك الظاهرة أن تتلاشى. لم تعد الأمهات يودعن بناتهن في بيوت الجدات، بل صارت الجدّة تُستضاف داخل بيت الأسرة. أما البيوت العتيقة فباتت مهجورة، يسكنها غبار الذكريات، داخلها أثاثٌ قديم فقدت قيمته المالية في عصرنا هذا، لكنها لا تزال تحمل بين قضبانها و حوافها حكايات أرواح من جيل كان حاضراً وسرعان ما غاب وانتفى، تاركاً الجدران صامتة شاهدة على زمن رحل، وأصوات لم تُنسى رغم اختفائها.
ومع كل جيل جديد، نظل نردد أن الجيل السابق كان الأفضل، حتى أصبحت تربية الحبوبات رمزاً لعصر ذهبي مضى فعلا، ومدرسة اجتماعية عظيمة خرّجت أنثى تربّت بين يدي جيلين، تديرها امرأة تحمل في روحها حكمة الماضي، وتواجه بعقلها تحديات الحاضر. وإن اختلفت نظريات عصرنا التي ترى في تلك العادة تفضيلاً بين الأبناء.
تفاصيل جديدة عن حادثة تصفية وزير المليش_يا ووالده الشرتاي بشرق دارفور
كشفت معلومات ميدانية جديدة عن تفاصيل دموية صادمة حول اغتيال عاطف محمد جعفر، وزير الشباب وا…





