‫الرئيسية‬ مقالات السودان بين مسؤولية المجتمع الدولي وانتهاكات مليشيا ال دقلو الإرهابية  بقلم د. النذير إبراهيم محمد أبوسيل المستشار القانوني الدولي – مبعوث المحكمة الدولية لتسوية المنازعات
مقالات - نوفمبر 9, 2025

السودان بين مسؤولية المجتمع الدولي وانتهاكات مليشيا ال دقلو الإرهابية  بقلم د. النذير إبراهيم محمد أبوسيل المستشار القانوني الدولي – مبعوث المحكمة الدولية لتسوية المنازعات

السودان بين مسؤولية المجتمع الدولي وانتهاكات مليشيا ال دقلو الإرهابية   بقلم د. النذير إبراهيم محمد أبوسيل  المستشار القانوني الدولي – مبعوث المحكمة الدولية لتسوية المنازعات

المستشار الاستراتيجي ومسؤول ملف السودان للتنمية المستدامة

السفير الفخري لمنظمة UNASDG

في ظلّ الفظائع والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبتها مليشيا ال دقلو الإرهابية المعروفة باسم «الدعم السريع» (المحلولة) تحت قيادة محمد حمدان دقلو، وبما ثَبُت من دعمٍ مباشرٍ من بعض الأطراف الإقليمية، فإن ما تشهده مدن وقرى وولايات سودانية من قتل جماعي، وتهجير قسري، وتدمير للبنى التحتية والمرافق الحيوية، واعتداءات على المدنيين، يُعدّ انتهاكًا صارخًا للقانون الدولي الإنساني، وخرقًا مباشرًا لاتفاقيات جنيف لعام 1949 ولا سيما:

• المادة 3 المشتركة التي تحظر الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية للمدنيين.

• المادة 32 من اتفاقية جنيف الرابعة التي تحظر أعمال القتل والتعذيب والمعاملة اللاإنسانية.

• المادة 33 من الاتفاقية ذاتها التي تحظر العقوبات الجماعية والنهب وتدمير الممتلكات دون ضرورة عسكرية.

كما تُشكّل هذه الأفعال جرائم ضد الإنسانية وفق المادة 7 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (1998)، وتشمل القتل العمد، الإبادة، الاسترقاق، الإبعاد القسري، الاغتصاب، الاضطهاد، والاختفاء القسري.

أما الجرائم الممنهجة من إحراق المدنيين أحياء ودفنهم أحياء، واغتصاب القاصرات والنساء، وبيع المختطفات في أسواق إفريقية، فتقع تحت توصيف جرائم الحرب الواردة في المادة 8 من النظام ذاته، وتعدّ من الأفعال التي لا تسقط بالتقادم.

ومن الناحية القانونية الدولية، فإنّ تمويل أو تسليح أو توفير الدعم اللوجستي أو المأوى لهذه المليشيا يُعدّ مشاركة في الجريمة طبقًا لـ المادة 25/3 (ج) من نظام روما الأساسي، التي تجرّم المساعدة أو التشجيع أو أي شكل من أشكال التواطؤ في ارتكاب الجرائم الدولية.

كذلك فإنّ استخدام المرتزقة يخالف صراحة اتفاقية الأمم المتحدة لمناهضة تجنيد واستخدام وتمويل المرتزقة لعام 1989، ولا سيما المادة 5 التي تلزم الدول بمنع هذا السلوك وتجريمه.

المسؤولية الدولية والتزامات مجلس الأمن

إن استمرار هذه الانتهاكات دون مساءلة يهدد الأمن والسلم الإقليمي والدولي، ويقع ضمن اختصاص مجلس الأمن بموجب المادة 39 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تخوّل المجلس اتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ على السلم والأمن الدوليين.

وبناءً على ذلك، فإنّ المجتمع الدولي، وبالأخص الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مطالب باتخاذ خطوات عاجلة تشمل:

1. تصنيف مليشيا الدعم السريع المحلولة كتنظيم إرهابي دولي، استنادًا إلى قرارات مجلس الأمن السابقة بشأن الجماعات المسلحة غير النظامية (مثل القرار 1373/2001 الخاص بمكافحة الإرهاب).

2. إحالة قادة المليشيا وكل من موّلها أو وفّر لها الغطاء السياسي أو العسكري إلى المحكمة الجنائية الدولية استنادًا للمادة 13(ب) من نظام روما الأساسي التي تجيز لمجلس الأمن إحالة الجرائم للمحكمة.

3. إصدار قرار أممي ملزم بوقف أي دعم مباشر أو غير مباشر من أي دولة لهذه المليشيا، استنادًا للمادة 41 من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بالعقوبات غير العسكرية.

4. إدانة ومحاسبة أي دولة سمحت أو سهّلت مشاركة مرتزقة داخل السودان، تنفيذًا لاتفاقية حظر المرتزقة لعام 1989.

5. تأمين حماية مدنية فورية ومراقبة دولية مستقلة بموجب المادة 1 المشتركة من اتفاقيات جنيف التي تلزم الدول بضمان احترام الاتفاقيات في جميع الأحوال.

نحو موقف دولي عادل

إنّ العدالة لا تُبنى بالتصريحات أو الوساطات المنحازة، بل عبر إجراءات قانونية ملزِمة تضمن المساءلة وتضع حدًا لثقافة الإفلات من العقاب.

الصمت الدولي أو التواطؤ مع من يدعم هذه المليشيا لن يؤدي إلا إلى ترسيخ العنف وتفكيك الدولة السودانية، بل وتهديد استقرار المنطقة بأسرها عبر تمدد شبكات الجريمة المنظمة والإرهاب العابر للحدود.

إنّني أدعو المجتمع الدولي، والمنظمات الحقوقية، والبرلمانات الحرة، إلى تحمّل مسؤولياتها الأخلاقية والقانونية، والاصطفاف مع الشعب السوداني الذي يدافع عن حقه في الحياة والكرامة والسيادة.

السودان اليوم ليس قضية محلية فحسب، بل اختبار لضمير العالم: فإما أن تنتصر العدالة والإنسانية، أو يصبح الصمت شريكًا في الجريمة.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…