السودان بين صرخة الضمير الإنساني ومسؤولية المجتمع الدولي بقلم د.النذير إبراهيم محمد أبوسيل المستشار القانوني الدولي – لتسوية المنازعات

المستشار الاستراتيجي ومسؤول ملف السودان للتنمية المستدامة السفير الفخري لمنظمة UNASDG
في بوابة إفريقيا، وفي قلب الوطن العربي، ينزف السودان اليوم جرحًا مفتوحًا أمام صمت العالم. تتواصل جرائم مليشيا ال دقلو الإرهابية وأذرعها المسلحة في قتل المدنيين، وانتهاك كرامة الأبرياء، وتدمير المدن، وارتكاب أفظع الجرائم ضد الإنسانية في الفاشر ودارفور وسائر أرجاء البلاد.
لقد تجاوزت هذه المليشيا حدود الانتهاكات المحلية لتتحول إلى تهديد مباشر للأمن والسلم الإقليمي والدولي، مدعومة من قوى خارجية معروفة، وعلى رأسها دولة الإمارات العربية المتحدة التي وفّرت الدعم اللوجستي والمالي والعسكري لهذه الجماعة الخارجة على القانون، في انتهاك واضح لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة ولقرارات مجلس الأمن الدولي والقانون الدولي الإنساني.
الأساس القانوني الدولي:
1. ميثاق الأمم المتحدة (1945):
• المادة (1/1): تؤكد على حفظ السلم والأمن الدوليين، واتخاذ التدابير الجماعية لمنع الأسباب المهددة لهما وإزالتها.
• المادة (2/4): تحظر على الدول استخدام القوة أو التهديد بها ضد سلامة أراضي دولة أخرى أو استقلالها السياسي.
• المادة (55): تلزم الدول الأعضاء باحترام حقوق الإنسان وتعزيزها دون تمييز.
• المادة (56): تُلزم الدول بالتعاون مع الأمم المتحدة لتحقيق هذه الأهداف.
2. قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة:
• القرار رقم 2625 (د-25) لسنة 1970 بشأن “مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول”، والذي يحظر التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
• القرار رقم 3314 (د-29) الذي يُعرّف “العدوان” بأنه استخدام القوة من قبل دولة ضد سيادة دولة أخرى، بما في ذلك دعم المليشيات المسلحة.
3. القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف (1949):
• المادة 3 المشتركة بين الاتفاقيات الأربع تحظر الاعتداء على المدنيين، والقتل، والتعذيب، والمعاملة المهينة.
• المادة 146 من الاتفاقية الرابعة تُلزم الدول بملاحقة من يرتكب انتهاكات جسيمة.
• البروتوكول الإضافي الأول (1977) يعتبر دعم المليشيات أو تزويدها بالسلاح مشاركة في الجريمة.
4. مجلس الأمن الدولي:
• وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة (المواد 39–51)، يملك المجلس سلطة اتخاذ الإجراءات القسرية ضد أي كيان يهدد السلم والأمن الدوليين.
• لجملة قانونية قوية قابلة للتطبيق دون التخل عن السيادة الوطنية، فإن الأدوات الأكثر فعالية لمحاسبة مليشيا ال دقلو الإرهابية وداعميها تكمن في اعتماد قرار من مجلس الأمن الدولي بموجب الفصل السابع، الذي يمنح المجلس سلطة فرض العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، دون الحاجة للتدخل العسكري المباشر، وهو الإطار القانوني الأقوى لضمان حماية المدنيين ومحاسبة المنتهكين.
• وقد اتخذ المجلس قرارات مماثلة ضد تنظيمات مسلحة في رواندا، ليبيا، سيراليون ومالي، مما يوجب تحركًا مماثلًا تجاه مليشيا ال دقلو الإرهابية.
5. الاتحادات والمنظمات الإقليمية:
• الميثاق التأسيسي للاتحاد الأفريقي (2000): المادة 4 (ح) تمنح الاتحاد حق التدخل في حالة وقوع جرائم حرب أو إبادة جماعية.
• ميثاق جامعة الدول العربية: المادة 2 تُلزم الدول الأعضاء بدعم بعضها البعض وحماية استقلالها وسيادتها.
• معاهدة الاتحاد الأوروبي (المادة 21): تُلزم الاتحاد بدعم سيادة القانون وحقوق الإنسان في علاقاته الدولية.
المسؤوليات الوطنية والدولية:
إن الواجب اليوم لا يقع فقط على عاتق الشعب السوداني الذي يواجه الموت بصمود أسطوري، بل أيضًا على المجلس الانتقالي السوداني وحكومة الأمل التي يجب أن توحّد الصف الوطني، وتغلب المصلحة العليا على الانقسام، وتحمي المدنيين بكل الوسائل المشروعة.
أما البعثات الدبلوماسية السودانية، فهي مطالبة بأن تكون صوت السودان في المحافل الدولية، وأن تستند في تحركاتها إلى هذه المواثيق القانونية التي تُلزم المجتمع الدولي بالتحرك العاجل.
النداء إلى المجتمع الدولي:
إن صمت العالم أمام ما يجري في السودان هو تواطؤ بالصمت وخذلان للضمير الإنساني.
وعليه، فإننا ندعو:
• مجلس الأمن الدولي إلى إدراج مليشيا ال دقلو ضمن قوائم الإرهاب وفقًا للفصل السابع، وفرض عقوبات على داعميها.
• الجمعية العامة للأمم المتحدة إلى تبني قرار عاجل بإدانة الانتهاكات ودعم الشعب السوداني سياسيًا وإنسانيًا.
• جامعة الدول العربية إلى اتخاذ موقف صريح وقطع أي علاقات مع الجهات التي تموّل أو تسلح هذه المليشيا.
• الاتحاد الأفريقي والاتحاد الأوروبي إلى فرض عزلة دبلوماسية على الدول المتورطة، ومراقبة تدفق السلاح والمال.
• المنظمات الحقوقية الدولية إلى إرسال بعثات تقصّي حقائق لتوثيق الجرائم ومحاسبة المسؤولين عنها أمام المحكمة الجنائية الدولية وفقًا لنظام روما الأساسي لعام 1998.
⚖️ خاتمة:
إنّ ما يجري في السودان ليس مجرد أزمة داخلية، بل هو اختبار لعدالة النظام الدولي وصدق إنسانيته. فإما أن تنتصر الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، أو يُكتب في التاريخ أن العالم شاهد الإبادة وسكت عنها.
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





