أجيال النيل د. سهام موسى اليوم الدولي لمناهضة العنف ضد المرأة… تحدي العنف القائم على النوع الاجتماعي في السودان

يأتي اليوم الدولي للقضاء على العنف ضد المرأة في الخامس والعشرين من نوفمبر من كل عام، يدق ناقوس الخطر حول آفة عالمية لا تزال تعيق نصف البشرية عن تحقيق إمكاناتها الكاملة. هذا اليوم، الذي يمثل انطلاق حملة الـ 16 يومًا من النشاط لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، هو أكثر من مجرد مناسبة رمزية؛ إنه دعوة صريحة ومُلحة للعمل الجماعي لمواجهة كافة أشكال العنف التي تتعرض لها النساء والفتيات.
في هذا السياق العالمي، لا يمكننا أن نغفل الواقع المرير والمأساوي الذي تعيشه المرأة السودانية، التي أصبحت ضحية مزدوجة للنزاع المسلح الذي اندلع في أبريل 2023. لقد كشفت الحرب الأخيرة عن مستويات مروعة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، لا سيما العنف الجنسي الذي استُخدم كسلاح حرب، تزايدت التقارير الموثوقة عن حالات الاغتصاب والخطف والاحتجاز القسري للنساء والفتيات في مناطق النزاع، في انتهاك صارخ لجميع القوانين الإنسانية الدولية. هذه الأفعال لا تترك أثرًا جسديًا ونفسيًا مدمرًا على الضحايا فحسب، بل تمزق النسيج الاجتماعي للمجتمعات.
دفعت الحرب ملايين النساء إلى النزوح داخليًا أو اللجوء إلى دول الجوار، أبرزها مصر. في خضم هذه الرحلات المحفوفة بالمخاطر، تتعرض النساء النازحات واللاجئات لمخاطر إضافية من الاستغلال والتحرش والاتجار بالبشر، خاصة في مخيمات الإيواء ومناطق التجمع. حتى في بيئات اللجوء، لا تتوقف معاناتهن، حيث يواجهن تحديات تتعلق بضمان الحماية والأمان وتوفير سبل العيش الكريم، وادى تدمير المؤسسات الصحية والتعليمية وانقطاع الخدمات الأساسية إلى تفاقم الأوضاع، خاصة فيما يتعلق بالصحة الإنجابية ومتابعة حالات الحمل والولادة الآمنة، مما يعرض حياة النساء للخطر بشكل مضاعف.
إن مواجهة هذه الأزمة تتطلب تضافر جهود جميع الأطراف الفاعلة، وفي مقدمتها منظمات المجتمع المدني والإعلام، فيقع على عاتق منظمات المجتمع المدني السودانية والمنظمات الدولية العاملة في الميدان (في السودان، مناطق النزوح، ودول الجوار كـ مصر) دور حيوي ومزدوج، بتوفير الدعم الشامل وتقديم خدمات الطوارئ الأساسية، بما في ذلك المأوى الآمن، والدعم النفسي-الاجتماعي المتخصص للناجيات، والمساعدة القانونية لتوثيق الجرائم والمطالبة بالعدالة، وإنشاء مساحات آمنة للنساء والفتيات، وتقديم برامج لكسب العيش والتدريب المهني لتمكين النازحات واللاجئات اقتصاديًا، مما يقلل من احتمالية تعرضهم للاستغلال، والعمل على توثيق الانتهاكات ورفع التقارير إلى الهيئات الدولية لحشد الضغط من أجل المساءلة والعدالة للناجيات.
يجب أن ينتقل دور الإعلام من مجرد نقل الأخبار إلى المناصرة الفاعلة والتوعية الحساسة للنوع الاجتماعي بكسر الصمت وستخدام المنصات الإعلامية لتسليط الضوء على قصص الناجيات بكرامة واحترام خصوصيتهم، وكسر ثقافة الصمت والوصم المرتبطة بالعنف الجنسي، ونشر المعرفة بحقوق المرأة والقوانين التي تحميها، ومكافحة الأفكار والتقاليد التي تبرر أو تتغاضى عن العنف، بالاضافة الى لعب دور الرقيب الذي يحاسب المسؤولين ويضغط على الحكومات والمجتمع الدولي لتقديم الحماية والمساعدات الضرورية للنساء السودانيات، سواء كن داخل البلاد أو لاجئات في دول مثل مصر التي تستضيف أعدادًا هائلة منهن.
إن اليوم الدولي لمناهضة العنف ضد المرأة وحملة الـ 16 يومًا يجب أن يكونا هذا العام صرخة تُسمع لإنهاء مأساة المرأة السودانية. إن إيقاف العنف القائم على النوع الاجتماعي ليس مجرد التزام أخلاقي وإنساني، بل هو أساس ضروري لأي محاولة لبناء السلام والاستقرار المستدام في السودان ومحيطه الإقليمي. يجب أن نضمن أن أصوات الناجيات تصل، وأن العدالة تتحقق، وأن تكون الحماية أولوية قصوى لا تُساوم.
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





