‫الرئيسية‬ مقالات د.اسامه الفاتح العمري   السودان… بين اثقال الحاجة وبدايات النهوض الى رحابة الذات
مقالات - ديسمبر 7, 2025

د.اسامه الفاتح العمري   السودان… بين اثقال الحاجة وبدايات النهوض الى رحابة الذات

د.اسامه الفاتح العمري     السودان… بين اثقال الحاجة وبدايات النهوض الى رحابة الذات

في اللحظة التي يقف فيها السودان على حافة القلق، تتداخل صرخات الماضي مع ضباب الحاضر، ويتساءل الناس: الى اين نمضي، وكيف نخرج من هذا النفق الطويل الذي ارهق البلاد وشتت المجتمع واهدر ما تبقى من قوة؟

السودان، الذي ظل اسيراً لدورات من الصراعات والانهيار، لم يعد بحاجة الى شعارات جديدة، بل الى رؤية تمتلك صدق الفكرة وعمق الفهم وقدرة التطبيق.

 

وطن يبحث عن رؤية لا عن مسكنات

 

تجارب السنوات الماضية علمت السوداني ان الحروب لا تنتصر وان الانقسامات لا تبني دولة. علمته ان الشعوب لا تنهض بحسن النية وحدها، وان المستقبل لا يصنعه الاندفاع الكثيف نحو اللحظة، بل العمق الهادئ الذي يرى ما وراء الغبار ويبني على اساس ثابت.

 

السودان يحتاج اليوم الى رؤية تجعل الانسان جوهر كل قرار.

رؤية تمنح المواطن كرامته في السكن والغذاء والتعليم والامن، ثم تمهد امامه الطريق نحو الافق الاعلى الذي يشعر فيه بانه ليس مجرد ضحية للظروف، بل فاعل في صياغة حياته ومشارك في صنع وطنه.

 

سلام يعيد للارض صوتها وللانسان حياته

 

لا يمكن ان يبدأ اي اصلاح ما دامت اصوات الرصاص اعلى من اصوات الناس.

السلام ليس مخرجاً سياسياً، بل هو شرط الوجود.

هو الخطوة الاولى التي تعيد سكان القرى والمدن الى بيوتهم، وتعيد الاسواق الى نبضها، والمدارس الى ضحكاتها، والارض الى انتاجها.

سلام يعالج الجذور لا السطح، ويرفع الظلم بدلاً من ان يرحل الخوف فقط.

 

من الحاجات الاساسية الى رحابة تحقيق الذات

 

في واقع مثقل بالازمات، ينشغل الانسان السوداني بتأمين اساسيات الحياة: لقمة تكفي الجوع، دواء يبعد الالم، ملاذ آمن يصد العاصفة. ومع هذا الانشغال القاسي، يبهت الحلم ويتراجع الضوء الداخلي، ويغدو الفرد اسيراً لضرورات يومية لا تترك له مساحة للنظر الى الاعلى.

 

لكن حين تتوفر الاساسيات، تتبدل حركة الروح.

يبدأ الانسان في الانتقال من ضيق البقاء الى فسحة الاختيار، من ظلام الخوف الى وهج الابداع، من مطاردة الحاجة الى اتساع الرؤية.

ومرحلة تحقيق الذات ليست رفاهية، بل ركيزة اساسية لنهضة السلوك الفردي.

فالفرد الذي يشعر بالامان يصبح اقدر على العطاء، واكثر استعداداً لمساعدة الاخرين، واكثر انسجاماً مع ذاته ومع مجتمعه، مما يقود الى مجتمع متوازن يحترم نفسه ويحترم الاخرين.

 

ومتى ما ارتقى الفرد، ارتقى الوطن.

لهذا فإن الرؤية الوطنية الحقيقية لا تقف عند حد سد الحاجات، بل تنطلق عبرها نحو الهدف الاوسع: اطلاق طاقات الانسان السوداني ليكون شريكاً في صناعة النهضة، لا مجرد متفرج على تدفق الازمات.

 

اقتصاد يبحث عن الانتاج لا عن الترقيع

 

يمتلك السودان ما يجعل منه قوة اقليمية كبرى: ارض واسعة، مياه، ثروات، وشعب قادر على العمل. ومع ذلك ظل الاقتصاد يترنح بين الانكماش وسوء الادارة.

المطلوب اليوم تحول حقيقي من اقتصاد يعتمد على الاستيراد الى اقتصاد يبني على الزراعة والصناعة والتصدير، ويشجع الاستثمار ويحارب الفساد الذي افسد كل شيء.

 

علاقات خارجية تحفظ السيادة وتفتح الابواب

 

العالم لا يحترم الا الدول التي تعرف ما تريد.

والسودان قادر على بناء شبكة علاقات تقوم على المصالح المتبادلة، لا على التبعية ولا على العزلة.

نحتاج الى سياسة خارجية تحمي القرار الوطني، وتبحث عن الفرص، وتعيد للسودان مكانته الطبيعية بين الشعوب.

 

انتماء يعلو فوق الجهوية والاصطفاف

 

اخطر ما يهدد السودان اليوم هو التفكك الاجتماعي.

القبيلة والجهة حين تتحولان الى سلاح، تفتكان بالنسيج الوطني.

ولا حل الا باحياء مفهوم المواطنة، وبناء مشروع مصالحة يلم شتات النفوس ويعيد الثقة الى مجتمع انهكته الجراح.

 

السودان امام مفترق طريق

 

ليس امام السودان الا خياران:

اما ان يبقى حبيس الماضي بكل اثقاله،

واما ان يبدأ رحلة جديدة نحو وطن يعيش فيه الانسان بكرامة، ويتعامل فيه المجتمع باحترام، وتستعيد فيه الدولة هيبتها وقدرتها على البناء.

 

والبداية ليست معجزة، بل خطوة واعية تقول:

هذا وطن يستحق ان ننهض به، وهذا شعب قادر على ان يكتب فصلاً جديداً من تاريخه.

‫شاهد أيضًا‬

تفاصيل جديدة عن حادثة تصفية وزير المليش_يا ووالده الشرتاي بشرق دارفور

كشفت معلومات ميدانية جديدة عن تفاصيل دموية صادمة حول اغتيال عاطف محمد جعفر، وزير الشباب وا…