قميص عبدالعزيز عادل عسوم

أحكي لكم يا احباب عن قميص ثالث، ليس قميص يوسف عليه السلام اذ نعلمها جميعا، والقصة ليست عن قميص عامر الذي حكى عنه بابكر بدري رحمه الله، قال بأن (عامر ازرق) تاجر من كبار تجار الأبيض في زمن التركية قبل المهدية، طلب عامر هذا من احد المسافرين الى القاهرة الذهاب الى خياط ويطلب منه خياطة قمص له، و عندما سأل الترزي عن المقاس رد عليه بأن صاحب الطلب تاجر من السودان اسمه عامر، وعاد الرجل بالقميص ليجده بمقاس عامر تماما، فقال الناس: (قميص عامر الفصلوه في الريف و طلع قدرو)…
أما قصتي عن قميص عبدالعزيز فإنها قصة حزينة يا أحباب…
عبدالعزيز كان زميل دراسة في المرحلة المتوسطة، لم يزل -حيا- في ذاكرتي وقد انصرمت عقود من السنوات منذ افتراقنا، وتعلمون يا أحباب بأن الوجوه تظهر على شاشة ذكرياتنا -كفقاعات الصابون- كلما اذكاها مشهد، او انتابت المرء منا هدأة وأشرع مراكبه قبل ان يتغشانا النوم، هذه الوجوه منها الذي يصبح قمرا يضئ ولو لم يمسسه نور، ومنها الذي تكتنفه ظلمة تطمس عنه الكثير من المعالم أو تمحوه تماما من الذاكرة، واصحاب الوجوه المضيئة تجدهم دوما أصحاب سيرة حسنة، والسيرة الحسنة كشجرة الزيتون أو شجرة الفستق لا تنموان سريعاً؛ لكنها تعيش طويلاً…
تذكرت اليوم عبدالعزيز عندما التقيت -صدفة- بزميل الدراسة هشام في السوق العربي، حيث مرت عقود منذ افتراقنا بعد المرحلة المتوسطة، واذا بذكرى عبدالعزيز تطغى على لقائنا، وإذا بسحابة حزن نبيل عليه تتغشانا وقد أسرع دوننا إلى لقاء الله جل في علاه، مات عبدالعزيز رحمه الله في حادث سير خلال إجازة ماقبل الدخول الى المرحلة الثانوية…
والأحزان لازمت قصة عبدالعزيز منذ صغره، فقد رحل والدُه خلال طفولته الباكرة، وتزوجت أمه وارتلحت مع زوجها إلى مدينة أخرى داخل السودان، وبقي مع جدته وعاش معها، والجدة لم تكن تملك سوى معاش جده الذي يعمل في وظيفة تعليمية في الجيش المصري…
عبدالعزيز كان أهدأنا، الابتسامة وان كانت لاتفارق وجهه إلا انها مشوبة بحزن لاتخطئه العين…
وكنت الغريب الاوحد بين الزملاء حيث يعمل والدي رحمه الله مساعدا طبيا في شفخانة المنطقة، ولعله السبب الذي جعل عبدالعزيز لايطلب شيئا من بقية الزملاء إلا من شخصي، قلم، او كراس، واعتاد الافطار معي، إما بما اجلبه معي من طعام من البيت، او أدفع له قيمة الساندوتش من مقصف المدرسة…
سعى هشام يوما لأن يهدي عبدالعزيز قميصا، فاعتذر ولم يقبله منه، وهشام ابن تاجر معروف، فسألته رحمه الله لماذا لم يقبل القميص من هشام؟
كم آلمني رده يومها…
قال لي وهو ينظر إلى الارض
-بصراحة ياعادل، كنت متوقع منك انك انت التهدي لي القميص، مش هشام!…
وانتبهت حينها بأن عبدالعزيز لم يكن يملك سوى قميص واحد، تبينت ذلك من الحبر الذي يغطي ثلث جيبه، ولعل هشام انتبه لذلك قبلي.
يا الله…
حزنت حقا ودمعت عيناي، وجعلت ألوم نفسي لم لم أنتبه لحوجته لقميص حينها، وذهبت إلى البيت والحزن يعصف بي، وفاتحت والدي رحمه الله في الأمر، فلم تمض ايام حتى أبتاع قميصين وبنطالين بعد سؤاله عن المقاس، وقبل عبدالعزيز رحمه الله الملابس والابتسامة تملأ وجهه الوضئ…
طالت وقفتي وهشام أمام محل العصائر، قال لي هشام وهو يضع كباية العصير وعينيه دامعتين:
-تعرف ياعادل؛ عبدالعزيز دا رحمو الله، على الرغم من انو ماكان زول رياضة ولا كان زول جمعية أدبية زينا؛ لكنو كان أكتر واحد فينا محبوب ومعروف وسيرتو حسنة، أمّنت على ذلك وتذكرت بأنه رحمه الله لم يكن يكذب على الإطلاق، وكان يتركنا خلال عوداتنا أدراجنا من المدرسة مساء بمجرد أن يشرع أحدنا في الحديث عن شخص غائب بما يكره، وكان يحفظ العديد من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتبين لي بأن السبب في ثقافته الدينية كون جده كان أزهريا، وجدته التي تربى في كنفها أخذت ذلك عن زوجها وهي الأمية!…
كان رحمه الله حييا لايتحدث كثيرا بيننا، ولكن ينطلق لسانه عندما نكون لوحدنا فيحدثني عن الكثير الذي لم يزل يرسخ في ذاكرتي، قال لي يوما:
-الكذب دا ياعادل الرسول صلى الله عليه وسلم لمن سألوه عن حاجات كتيييرة سيئة ممكن تكون في الزول، قال نعم، لكنو لمن سألوه عن الكذب زعل وقال ماماكن المسلم يبقى كذاب!…
وأذا بي أجد الحديث الشريف الذي ورد فيه ذلك بعد سنوات…
يااااه
لكأنه أمامي الآن بإبتسامته الحزينة…
اللهم اغفر لعبدك عبدالعزيز، وارحمه، وافتح له في مرقده بابا من الجنة لايسد، ويوم يلقاك اسألك ياحنان يامنان ان تهبه لذة النظر الى وجهك الكريم،
انك ياربي وليُّ ذلك والقادر عليه.
انتهت قصة قميص عبدالعزيز
adilassoom@gmail.com
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





