‫الرئيسية‬ مقالات خواطر ابن الفضل الاصطفاف حول الجيش: واجب وطني وضرورة مجتمعية د. محمد فضل محمد
مقالات - ديسمبر 13, 2025

خواطر ابن الفضل الاصطفاف حول الجيش: واجب وطني وضرورة مجتمعية د. محمد فضل محمد

خواطر ابن الفضل  الاصطفاف حول الجيش: واجب وطني وضرورة مجتمعية  د. محمد فضل محمد

في لحظات التحوّل المصيري للأوطان، لا يكون الحياد فضيلة، ولا التردد حكمة، بل يصبح الاصطفاف الواعي واجبًا وطنيًا، وضرورةً مجتمعية، تمليها طبيعة الخطر، وحجم التهديد، ومآلات السكوت.

 

وما يمرّ به السودان اليوم ليس خلافًا سياسيًا عابرًا، ولا صراع مصالح يمكن تسويته بالمساومات، وإنما تمرد مسلح يستهدف الدولة، ويقوّض مؤسساتها، ويهدد وحدة المجتمع وأمنه، تقوده ميليشيا خارجة عن الشرعية، وتدعمه أطراف داخلية وخارجية لا تخفى أجنداتها.

 

*الجيش عمود الدولة الأخير*

 

الجيش الوطني ليس حزبًا سياسيًا، ولا تيارًا أيديولوجيًا، بل هو مؤسسة الدولة السيادية، والوعاء الجامع الذي يحفظ كيانها من الانهيار. والطعن فيه في زمن الحرب، أو التشكيك في دوره، أو المساواة بينه وبين الميليشيا، ليس نقدًا مشروعًا، بل إسهام مباشر – بقصد أو بغير قصد – في هدم الدولة.

 

إن الاصطفاف حول الجيش اليوم لا يعني تزكية كل أداء، ولا إغلاق باب المحاسبة مستقبلًا، لكنه يعني تقديم معركة الوجود على معارك التقييم، وتأجيل الخلافات إلى ما بعد استعادة الدولة.

 

*الاصطفاف واجب شرعي قبل أن يكون وطنيًا*

 

لم يترك الإسلام قضايا الأمن والدفاع للهوى أو المزاج، بل قرر لها أصولًا واضحة، تقوم على دفع البغي، وحفظ الجماعة، ومنع الفتنة. قال الله تعالى: ﴿انفِرُوا خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ﴾

(سورة التوبة: 41)

فالنفير هنا ليس خيارًا انتقائيًا، بل تكليفٌ بحسب الاستطاعة، حين تتعرض الأمة للخطر، ويُهدد أمنها واستقرارها.وقال تعالى محذرًا من عواقب التخاذل:﴿إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ﴾

(سورة التوبة: 39)

 

*الفتنة أعظم من القتل*

 

من أخطر ما يروج له بعض الخطاب الإعلامي اليوم، الدعوة إلى التراخي بدعوى “السلام”، أو المساواة بين المعتدي والمدافع، مع تجاهل أن استمرار البغي هو عين الفتنة.

قال الله تعالى:﴿وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗ﴾

وقال أيضًا:﴿إِلَّا تَفۡعَلُوهُ تَكُن فِتۡنَةٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَفَسَادٞ كَبِيرٞ﴾ (سورة الأنفال: 73)

 

فالسكوت عن الميليشيا، أو تمييع الموقف منها، لا يوقف الحرب، بل يوسّع دائرتها، ويفتح أبواب الفوضى والفساد، ويدفع ثمنه الأبرياء قبل غيرهم.

 

*قتال البغاة أصل شرعي*

 

وحين تختلط الأصوات، يأتي النص القرآني واضحًا في الحسم بين الحق والبغي، قال تعالى: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِ﴾(سورة الحجرات: 9)

 

وهذا نصٌّ قاطع في وجوب قتال الفئة الباغية، لا انتقامًا، ولا تشفيًا، بل حفظًا للجماعة، وردعًا للفساد، وإعادةً للحق إلى نصابه.

 

*بين الوطنية والخذلان*

 

ان الوطنية الحقة ليست في الشعارات، ولا في الحياد الزائف، بل في تحمّل المسؤولية عند الشدائد. أما خطاب التخذيل، والتشكيك، وتبرير التمرد، فهو – مهما تلون – خدمة مجانية لأعداء السودان، ووقود لاستمرار المأساة.

 

إن الاصطفاف حول الجيش اليوم ليس اصطفافًا مع أشخاص، بل اصطفاف مع الدولة، ومع بقاء السودان موحدًا، ومع حق المجتمع في الأمن والاستقرار. وهو واجب تمليه الوطنية، وتقرره الضرورة المجتمعية، وتسنده النصوص الشرعية الصريحة.

 

ومن يتأخر عن هذا الواجب، أو يساوي بين الجيش والميليشيا، أو يتذرع بالحياد في معركة الوجود، فليتأمل قول الله تعالى: ﴿مَا لَكُمۡ لَا تُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمُسۡتَضۡعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلۡوِلۡدَٰنِ﴾(سورة النساء: 75)

 

ففي مثل هذه اللحظات، إما دول أو فوضى، ولا وسط بينهما.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…