نفوذ لوجستي واستراتيجي: ما الذي تريده الإمارات من السودان؟ د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

تبوأ السودان خلال السنوات الأخيرة مكانة مركزيّة في حسابات القوى الإقليمية، وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة من أبرز هذه القوى، ساعية لتحقيق مصالح استراتيجية واقتصادية في بلد يتمتع بموقع فريد على البحر الأحمر وموارد طبيعية ضخمة. غير أن هذه المصالح المتشابكة أخذت أبعادًا خطيرة بعد اندلاع الحرب الحالية التي شنتها قوات الدعم السريع، حيث تُثار كل الاتهامات القوية للإمارات بالدعم لهذه القوات، ما أثّر بدوره على مسار الصراع وأبعد التوصل إلى حل سياسي سريع.
الموقع الاستراتيجي والبوابات اللوجستية
يمتد السودان بساحل يبلغ نحو 700 كيلومتر على البحر الأحمر، مما يجعله محط أنظار القوى الإقليمية والدولية التي تتنافس على النفوذ في الممرات البحرية الحيوية. ولأجل ذلك، سعت الإمارات إلى الاستثمار في الموانئ والمناطق الحرة، مستفيدة من موقع السودان لربط أسواقها الأفريقية والآسيوية، وتعزيز حضورها اللوجستي عبر موانئ كبرى مثل مشروع ميناء أبو عمامة والمناطق الحرة المرتبطة به، بهدف أن يكون السودان محورًا لوجستيًا يربط التجارة البحرية العابرة في البحر الأحمر. مثل هذه المشاريع تمنح الإمارات نفوذًا ليس فقط اقتصاديًا بل سياسيًا في المعادلات الإقليمية.
لكن هذا الدور الاستراتيجي لم يقتصر فقط على الاقتصاد، بل دخل في اللعبة السياسية والصراع المسلح أيضًا، مع تصاعد منذ أبريل 2023، والتي خلّفت آلاف القتلى وملايين النازحين، ولا تزال مستمرة.
اتهامات دعم الدعم السريع
على الرغم من نفى الإمارات الرسمي المتكرر تقديم أي دعم عسكري لأي طرف في النزاع، فإن تقارير وتحقيقات دولية أشارت إلى وجود “أدلة موثوقة” على أن الإمارات تقدم أسلحة ومعدات لقوات الدعم السريع، عبر شبكات لوجستية معقدة تمتد إلى دول مجاورة مثل تشاد، بما يتجاوز مجرد الاستثمار الاقتصادي في البلاد.
هذه الاتهامات دفعت السودان إلى قطع العلاقات الدبلوماسية مع الإمارات، متهماً إياها بـ “عدوان” عبر دعمها لقوات الدعم السريع في حربها ضد الجيش الوطني. الإمارات بدورها نفت تقديم أي دعم عسكري أو تدخل في الشؤون الداخلية، مؤكدة أنها تسعى لإنهاء الصراع وتشجيع الحوار السياسي.
شبكات الدعم المحتملة، بحسب تقارير غير رسمية وتحقيقات دولية، قد تشمل تحويلات أسلحة وذخيرة عبر مطارات وموانئ، إضافة إلى لوائح ادّعت تزويد الدعم السريع بوقود عن طريق قنوات مرتبطة بقوات خليفة حفتر في ليبيا، مقابل دعم سياسي ولوجستي. هذا كله يعطي صورة لمشهد أكثر تعقيدًا من مجرد علاقة اقتصادية بحتة.
التداخل بين المصالح والسياق الإقليمي
التحالفات والدعم المباشر وغير المباشر لا تحدث في فراغ؛ فهي جزء من صراع أوسع في منطقة القرن الإفريقي والبحر الأحمر بين قوى إقليمية تتنافس على النفوذ، مثل السعودية، الإمارات، وتركيا. هذه “اللعبة الكبرى” في المنطقة تُضيف بعدًا إضافيًا للصراع في السودان، حيث لا يخوض الجيش والسودانيون الحرب وحدهم، بل تتشابك فيها أدوار أطراف خارجية تسعى إلى ضمان مصالح استراتيجية طويلة الأمد.
من جهة أخرى، يؤثر استمرار الصراع على الاقتصاد السوداني واستقراره الاجتماعي، ما يدفع بعض الأطراف الإقليمية إلى تعزيز نفوذها بشكل قد يتعارض مع مصالح السلام والاستقرار في البلاد.
الآثار الإنسانية والسياسية للصراع
الحرب الراهنة أدّت إلى أزمة إنسانية كبيرة، حيث أصدرت الأمم المتحدة تقارير عن مجازر واسعة ضد المدنيين في مخيمات النزوح، بما فيها مجزرة في مخيم زمزم التي أدّت إلى مقتل أكثر من ألف مدني خلال أيام قليلة، في ظل استمرار القتال بين قوات الدعم السريع والجيش.
التسليح المشتبه به لقوات الدعم السريع وتزويدها بمعدات عسكرية أثّر في توازن القوى على الأرض وأطال أمد الحرب، مما انعكس سلبًا على فرص الوصول إلى هدنة دائمة أو تسوية سياسية شاملة. كما أثار هذا الدعم غضبًا واسعًا داخل السودان وخارجه بما في ذلك ضغوط دولية على دول تُتهم بتغذية الصراع، من بينها الإمارات.
التحدي السوداني بين السيادة والاستغلال
السودان اليوم يقف أمام تحدٍ أساسه حماية سيادته واستقلال قراره الوطني في ظل التداخل الكبير بين المصالح الخارجية والحرب الداخلية. في حين يمكن للشراكات الدولية أن تدعم الاقتصاد والتنمية. ويبقى الحل الحقيقي للصراع السوداني في انهاء الحرب وإطلاق حوار سياسي شامل وتطبيق إرادة الشعب السوداني بعيدًا عن أجندات خارجية تتقاطع مصالحها مع استمرار النزاع ولا تتحقق إلا من خلال استقرار واقتصاد قوي وجيش وطني وسيادة وطنية حقيقية.
تفاصيل جديدة عن حادثة تصفية وزير المليش_يا ووالده الشرتاي بشرق دارفور
كشفت معلومات ميدانية جديدة عن تفاصيل دموية صادمة حول اغتيال عاطف محمد جعفر، وزير الشباب وا…





