‫الرئيسية‬ مقالات خواطر ابن الفضل ليس الوطن من خان بل من صمت عن الدم ثم تكلّم د. محمد فضل محمد
مقالات - ديسمبر 25, 2025

خواطر ابن الفضل ليس الوطن من خان بل من صمت عن الدم ثم تكلّم د. محمد فضل محمد

خواطر ابن الفضل  ليس الوطن من خان بل من صمت عن الدم ثم تكلّم  د. محمد فضل محمد

في خضم هذا الضجيج الإعلامي، يخرج علينا بعض نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي بخطابٍ يفيض سخطًا، لا على السياسات فحسب، بل على الوطن ذاته، فيُصوَّر السودان كأنه كيانٌ أُسِّس على الظلم، وشعبٌ لا يعرف إلا الفساد والعنصرية والكذب.

 

وهذا الخطاب، مهما بدا ثوريًا أو أخلاقيًا في ظاهره، ليس نقدًا موضوعيًا، بل خلطٌ متعمّد للأوراق، وانتقائية فجّة في سرد الوقائع.

وأول ما ينبغي توضيحه أن الدولة ليست هي الحكومة، والحكومة ليست كيانًا ثابتًا يُدان في كل المراحل بذات الميزان. كما أن تحميل وطنٍ كامل، بتاريخِه وشعبِه، وزر إخفاقات نخبة سياسية، هو هروب من المسؤولية لا شجاعة في النقد.

واللافت أن من يهاجم الحكومة اليوم، ويتهمها بالظلم والعنصرية، صمت صمتًا كاملًا عن شعارات «العسكر للثكنات» حين كانت تُرفع للاستهلاك الجماهيري، ثم تحالف عمليًا مع العسكر والجنجويد داخل الحكومة الانتقالية، ورضي بالشراكة، وتقاسم السلطة، واعتبر ذلك آنذاك “حكمة سياسية” و”ضرورة مرحلية”، لا خيانة للثورة ولا انحرافًا عن مبادئها.

فبأي منطق يُدان اليوم ما كان يُبرَّر بالأمس؟

وأي صدقية يملك من يُجرِّم الشراكة الآن، وقد كان أحد مهندسيها أو المصفقين لها؟

أما الادعاء بأن الحكومة الحالية تُؤسِّس للعنصرية أو تُغذّي خطاب الكراهية، فهو ادعاء باطل تصدمه الوقائع.

فخطابها الرسمي – في بياناته ومخاطباته – يقوم على الدعوة إلى الوحدة الوطنية، ونبذ الجهوية، ورفض التمييز، كما أن تركيبتها السياسية والإدارية تضم مكونات من مختلف أقاليم السودان وقبائله، في محاولة لإدارة التنوع لا تحويله إلى أداة صراع.

لكن الظلم الحقيقي، والأبشع أثرًا، لم يكن في هذه المرحلة التي تُشيطن اليوم، بل كان في مرحلة ما بعد الثورة، فيما عُرف بـ لجنة تفكيك التمكين، التي تحوّلت – في كثير من ممارساتها – من مسار قانوني إلى أداة إقصاء وتصفية سياسية.

حينها، لم تكن هناك محاكمات، ولا قضاة، ولا ضمانات عدالة.

زُجّ بأبرياء في السجون بقرارات إدارية، وبِتُهمٍ جاهزة لا تتغير:

إما “الانتماء لجماعة دينية”، أو “الانقاذ”، أو “موالاة العسكر”.

اتهامات تُطلق في البيانات، وتُنفّذ في الواقع، في خرقٍ صارخ لمبادئ دولة القانون التي قامت باسمها الثورة.

والأكثر إيلامًا، أن من يرفع اليوم راية الأخلاق والضمير، نسي دماء الشهداء، ولم يُصرّ على محاسبة المتورطين في فضّ الاعتصام، لأن السلطة كانت أقرب، والتسويات السياسية كانت – في نظرهم – أهم من العدالة.

قُدِّمت الشراكة على المحاسبة، والاستقرار الشكلي على الحق، ثم أُغلِق الملف بالصمت.

وهنا تتجلى الازدواجية بأوضح صورها:

الظلم كان “ضرورة انتقالية” حين كانوا في الحكم،

والإقصاء كان “ثورية”،

والسجون بلا محاكمات كانت “حماية للثورة”.

أما اليوم، وقد تغيّرت المواقع، أصبحت الدولة فجأة “دولة فساد”، وأصبح الوطن نفسه متهمًا.

نقد الحكومات حق مشروع، بل واجب وطني.

لكن تزوير الذاكرة، وتبرئة مرحلة مليئة بالانتهاكات، وشيطنة الدولة لإخفاء مسؤولية النخب التي حكمت باسم الثورة، ليس نقدًا، بل تضليل للرأي العام، وإسهام في تعميق الانقسام.

السودان لم يُبنَ على الظلم،

بل تعرّض للظلم حين أُدير بعقلية الإقصاء، وحين اختُزلت الثورة في سلطة، والعدالة في شعارات، والدولة في خصم سياسي.

 

فليس أخطر على الأوطان من نقدٍ بلا ذاكرة، ولا أضرّ بالثورات من شعاراتٍ تُرفَع عند الخصومة وتُدفَن عند الشراكة.

فالظلم الذي يُدان اليوم لم يولد فجأة، ولم تصنعه حكومة بعينها، بل تَشكّل يوم قُدِّمت السلطة على العدالة، وسُوِّغ الإقصاء باسم الثورة، وصمت كثيرون عن الدماء حين كانت المقاعد محفوظة، والصفقات قائمة.

إن إنقاذ السودان لا يكون بتجريم الدولة، ولا بتشويه المجتمع، ولا ببثّ اليأس، بل بمراجعة صادقة، ومحاسبة عادلة لا انتقائية، ونقدٍ شجاع لا يزوّر الذاكرة ولا يُبرّئ الشركاء.

أما الوطن، فسيبقى أكبر من أخطاء حكوماته،

وأصدق من خطابات نشطاء تبدّلت مواقفهم بتبدّل مواقعهم،

وأقوى من كل محاولات تحميله وزر من حكموا باسمه، ثم تنصّلوا من المسؤولية.

‫شاهد أيضًا‬

تفاصيل جديدة عن حادثة تصفية وزير المليش_يا ووالده الشرتاي بشرق دارفور

كشفت معلومات ميدانية جديدة عن تفاصيل دموية صادمة حول اغتيال عاطف محمد جعفر، وزير الشباب وا…