نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي يكتب:تعديل قانون الصحافة والمطبوعات ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل

في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها السودان داخلياً وخارجياً، ومع تعقّد المشهد السياسي والاجتماعي والاقتصادي، يصبح الحديث عن تعديل قانون الصحافة والمطبوعات لسنة ٢٠٠٩م ليس مجرد ترفٍ تشريعي أو نقاش أكاديمي، بل هو واجب وطني وضرورة ملحة تفرضها طبيعة المرحلة الراهنة، إذ أن القانون بصيغته الحالية لم يعد قادراً على مواكبة الأحداث الآنية ولا على استيعاب التحديات الجديدة التي فرضتها ثورة المعلومات والاتصال الرقمي والانفتاح الإعلامي غير المسبوق.
لقد وُضع القانون في سياق مختلف تماماً عن السياق الذي نعيشه اليوم، حيث كانت البيئة الإعلامية حينها محدودة نسبياً، ولم تكن وسائل التواصل الاجتماعي قد بلغت هذا الحجم من التأثير، ولم تكن الصحافة الإلكترونية قد فرضت نفسها كفاعل رئيسي ينافس الصحافة الورقية التقليدية، أما الآن فقد تغيّر كل شيء، وأصبح الإعلام في السودان جزءاً من معركة الوعي والحرية والحقوق، وأداةً لصياغة الرأي العام وتوجيهه، بل وأحياناً لتشكيل مسارات السياسة نفسها، الأمر الذي يجعل من أي قصور تشريعي في هذا المجال خطراً مباشراً على مستقبل البلاد .
إن تعديل القانون يجب أن ينطلق من رؤية شاملة تضع في الاعتبار أن حرية الصحافة ليست امتيازاً يمنح، بل هي حق أصيل يكفله الدستور وتؤكد عليه المواثيق الدولية، وأن الصحفي ليس خصماً للدولة بل شريكاً في بناءها، وأن تقييد الكلمة لا يؤدي إلا إلى مزيد من الاحتقان وإلى فتح الباب أمام الشائعات والمعلومات المضللة، بينما الانفتاح والشفافية يرسخان الثقة بين المواطن ومؤسسات الحكم، ويجعلان الصحافة أداة رقابة بنّاءة لا سيفاً مسلطاً .
كما أن التعديل يجب أن يراعي التطورات التقنية، فالقانون الحالي لا يواكب طبيعة الإعلام الرقمي ولا يضع ضوابط واضحة لمسؤولية النشر الإلكتروني، ولا يحدد العلاقة بين الصحافة التقليدية والصحافة الجديدة، ولا يضع إطاراً قانونياً يحمي الصحفيين من الانتهاكات التي يتعرضون لها أثناء أداء مهامهم، ولا يضمن لهم الحق في الحصول على المعلومات من مصادرها الرسمية، وهو حق أساسي لا يمكن أن تقوم الصحافة بدونه.
إن السودان وهو يمر بمرحلة دقيقة من تاريخه يحتاج إلى قانون صحافة حديث، قانون يوازن بين الحرية والمسؤولية، قانون يفتح المجال أمام الإبداع الصحفي ويشجع المنافسة الشريفة، قانون يضع حداً للتدخلات الإدارية والسياسية في عمل الصحف، ويمنع مصادرة الصحف أو تعطيلها بقرارات فوقية، قانون يضمن استقلالية المؤسسات الإعلامية ويحميها من الضغوط الاقتصادية التي قد تتحول إلى وسيلة للسيطرة على الكلمة الحرة.
إن تعديل قانون الصحافة والمطبوعات ليس مجرد إصلاح قطاعي، بل هو جزء من عملية إصلاح شامل للدولة السودانية، لأن الإعلام الحر هو الذي يضيء الطريق أمام المجتمع، وهو الذي يكشف الفساد ويعري التجاوزات، وهو الذي يفتح المجال أمام النقاش العام المسؤول، وهو الذي يساهم في بناء ثقافة ديمقراطية حقيقية، ومن دون إعلام حر لا يمكن أن نتحدث عن تحول ديمقراطي ولا عن دولة قانون ولا عن مجتمع مدني فاعل.
إننا اليوم أمام لحظة تاريخية، إما أن نستجيب لمقتضياتها ونشرع في تعديل القانون بما يواكب العصر ويخدم الوطن، وإما أن نظل أسرى نصوص قديمة لا تصلح لإدارة حاضرنا ولا لمواجهة مستقبلنا، وفي الحالتين ستكون النتيجة واضحة، فإما أن نكسب إعلاماً قوياً حراً مسؤولاً، وإما أن نخسر ثقة المواطن ونفتح الباب أمام الفوضى الإعلامية التي لا تعرف ضوابط ولا حدود
إن السودان يستحق قانوناً للصحافة يعبر عن تطلعات شعبه، ويليق بتضحيات صحفييه، ويواكب ثورة المعلومات التي تجتاح العالم، ويضع البلاد في مصاف الدول التي تحترم حرية الكلمة وتؤمن بأن الإعلام شريك في التنمية لا عدو لها، وهذا هو التحدي الذي يجب أن نواجهه بشجاعة وإرادة سياسية حقيقية، لأن المستقبل لا ينتظر المترددين ولا يرحم المتقاعسين
meehad74@gmail.com
تفاصيل جديدة عن حادثة تصفية وزير المليش_يا ووالده الشرتاي بشرق دارفور
كشفت معلومات ميدانية جديدة عن تفاصيل دموية صادمة حول اغتيال عاطف محمد جعفر، وزير الشباب وا…





