‫الرئيسية‬ مقالات نقطةإرتكار  د.جادالله فضل المولي  يكتب:ذهبٌ منهوب ومخدِّراتٌ مسمومة 
مقالات - ديسمبر 28, 2025

نقطةإرتكار  د.جادالله فضل المولي  يكتب:ذهبٌ منهوب ومخدِّراتٌ مسمومة 

نقطةإرتكار   د.جادالله فضل المولي   يكتب:ذهبٌ منهوب ومخدِّراتٌ مسمومة 

في الوقت الذي يشهد فيه العالم صراعاً محتدماً على الموارد والثروات الطبيعية، يظل الذهب السوداني أحد أهم الكنوز التي تتعرض للاستهداف عبر شبكات التهريب المنظمة، حيث تسعى أطراف داخلية وخارجية إلى إخراج هذه الثروة النفيسة بعيداً عن أعين الدولة، محرومةً بذلك الاقتصاد الوطني من موردٍ استراتيجي قادرٍ على دعم التنمية وتمويل المشاريع الكبرى. إن تهريب الذهب ليس مجرد جريمة اقتصادية، بل هو فعلٌ يضرب في عمق السيادة الوطنية ويقوِّض قدرة الدولة على حماية مقدراتها، ويحوِّل الثروة إلى أداةٍ في أيدي المضاربين والسماسرة الذين لا يرون في الوطن سوى سوقٍ مفتوحٍ للنهب والاستغلال.

 

وفي المقابل، لا يقل خطراً إدخال المخدرات إلى الداخل، إذ تمثل هذه التجارة السوداء الوجه الآخر للعملة نفسها، فهي تستهدف المجتمع مباشرةً، وتعمل على تفكيك بنيته الأخلاقية والاجتماعية، وتدمير طاقات الشباب الذين يُفترض أن يكونوا عماد المستقبل. إن المخدرات ليست مجرد موادٍ سامة، بل هي سلاحٌ يُستخدم لإضعاف الشعوب، وإشغالها بمعارك داخلية تُبعدها عن مسار التنمية والتقدم، وتفتح الباب واسعاً أمام الجريمة المنظمة والعنف والانهيار الاجتماعي.

 

المعادلة هنا واضحة: ذهبٌ يُهرَّب إلى الخارج فينزف الاقتصاد، ومخدِّراتٌ تُهرَّب إلى الداخل فتنهك المجتمع، وبين هذين المسارين يقف الوطن أمام تحدٍّ مزدوجٍ يتطلب إرادة سياسية قوية، وأجهزة أمنية يقظة، وتشريعات صارمة، إضافةً إلى وعيٍ شعبيٍّ يرفض أن يكون شريكاً في هذه الجريمة عبر التواطؤ أو الصمت. إن مكافحة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون مجرد حملات موسمية أو شعاراتٍ تُرفع في المناسبات، بل هي معركة مستمرة تتطلب تنسيقاً إقليمياً ودولياً، لأن شبكات التهريب لا تعرف حدوداً، وتعمل وفق مصالح عابرة للدول، مستفيدةً من ضعف الرقابة وتواطؤ بعض الأطراف.

 

إن الذهب السوداني يجب أن يبقى في خدمة التنمية الوطنية، والمخدرات يجب أن تُواجَه بحزمٍ لا هوادة فيه، فالمعركة ليست اقتصادية أو أمنية فحسب، بل هي معركة وجودٍ وحمايةٍ لمستقبل الأجيال القادمة. إن الوطن الذي يُستنزف اقتصاده ويُدمَّر شبابه لا يمكن أن ينهض، ولذلك فإن التصدي لهذه الظاهرة هو واجبٌ وطنيٌّ وأخلاقيٌّ لا يحتمل التأجيل، ولا يقبل أنصاف الحلول.

 

بهذا المعنى، يصبح الحديث عن مكافحة تهريب الذهب وإدخال المخدرات حديثاً عن حماية السيادة، وصون الكرامة الوطنية، وضمان حق الشعب في ثرواته ومستقبله، وهو ما يفرض على الجميع أن يكونوا جزءاً من هذه المعركة، من المواطن البسيط الذي يرفض شراء الذهب المهرَّب أو التورط في تجارة المخدرات، إلى المسؤول الذي يضع التشريعات ويطبِّق القانون، وصولاً إلى الأجهزة الأمنية التي تقف في الخطوط الأمامية. إنها معركةٌ طويلةٌ وشاقة، لكنها معركةٌ لا بد من خوضها والانتصار فيها، لأن البديل هو وطنٌ بلا ذهبٍ، ومجتمعٌ بلا شبابٍ، ومستقبلٌ بلا أمل.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…