وحدة المصير وتلاقي المصالح: رؤية استراتيجية للعلاقات السودانية المصرية د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

تمثل العلاقات السودانية–المصرية شراكة وجودية تتجاوز حدود الجوار الجغرافي، فرضتها وحدة التاريخ والجغرافيا والمصير المشترك، حيث يشكل كلٌّ من البلدين عمقًا استراتيجيًا للآخر في الأمن والاقتصاد والسياسة والثقافة، بما يجعل فهمها قائمًا على قراءة متكاملة للماضي والحاضر واستشراف المستقبل.
منذ أقدم العصور، شكّل وادي النيل فضاءً حضاريًا موحدًا، حيث لعب السودان دور المخزن البشري والاقتصادي والعمق الجغرافي، بينما مثّلت مصر مركزًا مؤثرًا. وقد تعزز هذا التداخل عبر القرون من خلال التبادل التجاري، والحراك السكاني، والتعليم الديني والثقافي، ما خلق نسيجًا اجتماعيًا عابرًا للحدود السياسية الحديثة.
وفي العصر الحديث، ظلت مصر الوجهة الأولى للسودانيين، في حين ظل السودان يمثل الامتداد الطبيعي للأمن الاستراتيجي المصري جنوبًا.
ويذخر السودان بإمكانات هائلة تجعله عنصرًا محوريًا في أي شراكة استراتيجية حقيقية مع مصر. فهو يتمتع بإمكانات اقتصادية وطبيعية كبيرة تجعله ركيزة أساسية في أي شراكة، إذ يملك مساحات زراعية واسعة، وموارد مائية وفيرة، وتنوعًا مناخيًا داعمًا للأمن الغذائي، إلى جانب ثروات معدنية وحيوانية ضخمة. وعند توظيف هذه الموارد ضمن إطار تكاملي يمكن بناء قاعدة اقتصادية قوية تخدم مصالح البلدين وتعزز استقلالهما الاقتصادي.
وفي الحاضر، تفرض التحديات الإقليمية والدولية واقعًا معقدًا، خاصة في ظل الحرب في السودان، والاضطرابات في القرن الأفريقي، والتنافس الدولي على الموارد والممرات الاستراتيجية. وهنا يبرز البعد العسكري والأمني بوصفه أحد أعمدة العلاقات السودانية – المصرية. فالتنسيق العسكري بين البلدين ليس طارئًا، بل يمتد لعقود من التعاون في التدريب وتبادل الخبرات والمناورات المشتركة، بما يعكس إدراكًا مشتركًا لوحدة التهديدات. كما أن استقرار السودان يمثل ركيزة أساسية للأمن القومي المصري، وحماية حدوده الجنوبية.
ويمثل نهر النيل بدوره أحد أهم محددات الأمن القومي المشترك، حيث يتطلب الحفاظ على الحقوق المائية تنسيقًا سياسيًا وعسكريًا ودبلوماسيًا عالي المستوى. فالتحديات المرتبطة بالأمن المائي لا يمكن مواجهتها إلا برؤية موحدة، تدرك أن أي مساس بمصالح أحد البلدين ينعكس بالضرورة على الآخر.
وعند استشراف المستقبل، تبدو الحاجة ملحة لبناء شراكة استراتيجية شاملة تقوم على استثمار إمكانات السودان الاقتصادية، وتعزيز التكامل مع القدرات المصرية، إلى جانب ترسيخ التعاون العسكري والأمني في إطار مؤسسي مستدام. ويتطلب ذلك الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق التخطيط الاستراتيجي طويل الأمد، بما يعزز الاستقرار، ويحول دون استغلال الفراغات من قبل قوى إقليمية ودولية.
عليه، فإن العلاقات السودانية – المصرية ليست خيارًا تكتيكيًا أو تحالفًا ظرفيًا، بل ضرورة وجودية يفرضها التاريخ والجغرافيا والمستقبل. فالسودان بما يملكه من إمكانات بشرية وطبيعية، ومصر بما تملكه من خبرات ومكانة إقليمية، قادران معًا على صياغة نموذج شراكة استراتيجية حقيقية، تُعيد لوادي النيل دوره التاريخي كمنطقة استقرار، وتنمية، وأمن مشترك.
وفي المحصلة، فإن الدور المشترك للسودان ومصر يتجاوز حدود التعاون التقليدي بين دولتين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية، حيث يشكّل كلٌّ منهما الركيزة الأساسية لاستقرار الآخر وأمنه ومستقبله. فالتكامل بين الإمكانات السودانية الهائلة في الموارد والمساحة والعمق الجغرافي، وبين القدرات المصرية في الخبرة المؤسسية والتأثير الإقليمي، يخلق معادلة قوة لا يمكن تجاوزها في معادلات الإقليم. كما أن التنسيق السياسي والعسكري والأمني بين البلدين يمثل صمام أمان لوادي النيل في مواجهة التحديات والتهديدات العابرة للحدود. ومن ثم، فإن تعظيم هذا الدور المشترك لا يعد خيارًا سياسيًا ظرفيًا، بل ضرورة استراتيجية تفرضها وحدة المصير.
تفاصيل جديدة عن حادثة تصفية وزير المليش_يا ووالده الشرتاي بشرق دارفور
كشفت معلومات ميدانية جديدة عن تفاصيل دموية صادمة حول اغتيال عاطف محمد جعفر، وزير الشباب وا…





