د. أبوعبيدة محمد السيد الكودابي يكتب الفتح المبين

عودة الحكومة إلى الخرطوم… ذكرى نصرٍ تُشبه فتح مكة
الحمد لله رب العالمين، الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وبفضله تتحقق الانتصارات، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
تمرّ على الأوطان أيامٌ عظيمة، تُعيد إلى الذاكرة سنن الله في النصر والتمكين، وتُذكّر القلوب بأن ما بعد الشدة فرجاً، وما بعد الصبر نصراً. وإن عودة الحكومة إلى الخرطوم بعد مرحلةٍ عصيبة من الاضطراب والمعاناة، تذكّرنا بحدثٍ خالد في تاريخ الأمة الإسلامية، هو فتح مكة المكرمة، ذلك النصر العظيم الذي جاء بعد سنوات طويلة من الصبر والثبات، فكان فرحاً للمؤمنين، ودليلاً على صدق وعد الله لعباده.
أولاً:
النصر من عند الله وحده
إن النصر في ميزان الإيمان ليس وليد القوة المادية وحدها، ولا ثمرة العدد والعدة فقط، وإنما هو توفيقٌ من الله، يمنحه لمن شاء من عباده الصادقين.
قال الله تعالى:
﴿إِن يَنصُرْكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ ۖ وَإِن يَخْذُلْكُمْ فَمَن ذَا ٱلَّذِى يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعْدِهِ ۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ ٱلْمُؤْمِنُونَ﴾
(سورة آل عمران: 160)
وقد تجلّى هذا المعنى بوضوح في فتح مكة، حين دخلها النبي ﷺ منتصراً، بعد أن أخرجه أهلها وحاربوه، فنصره الله دون قتالٍ يُذكر.
قال تعالى:
﴿وَهُوَ ٱلَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنۢ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾
(سورة الفتح: 24)
وهكذا فإن ما تشهده الخرطوم اليوم من عودةٍ للسيادة والاستقرار، إنما هو بتوفيق الله أولاً وآخراً، مهما تعددت الأسباب وتنوّعت الجهود.
ثانياً:
الفرح بالنصر مقرونٌ بالتواضع
لقد فرح المسلمون بفتح مكة فرحاً عظيماً، غير أن هذا الفرح لم يتحول إلى كِبرٍ أو بطش، بل كان مصحوباً بالتواضع والخضوع لله تعالى.
روى الإمام مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه:
«أن رسول الله ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر»
(صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير)
وفي رواية أخرى:
«حتى إن ذقنه ليمسّ راحلته تواضعاً لله»
(رواه مسلم)
وهذا المشهد العظيم يعلّم الأمة أن النصر الحقيقي لا يُورث استعلاءً، بل يزيد صاحبه شكراً لله، وخشوعاً له، وحمداً على نعمته.
ثالثاً:
الشكر سبب دوام النصر واستمراره
وما إن تحقق النصر وفتح الله مكة، حتى نزلت سورة النصر، موجِّهةً الأمة إلى شكر الله والاستغفار عقب التمكين.
قال تعالى:
﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ ٱللَّهِ وَٱلْفَتْحُ وَرَأَيْتَ ٱلنَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ ٱللَّهِ أَفْوَاجًا فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَٱسْتَغْفِرْهُ ۚ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾
(سورة النصر)
وقال سبحانه:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾
(سورة إبراهيم: 7)
فدوام الأمن واستمرار الاستقرار في الخرطوم، إنما يكونان بشكر الله قولاً وعملاً، وحفظ النعمة بالعدل والوحدة والإنصاف.
رابعاً:
العفو أساس الاستقرار وجمع الكلمة
ومن أعظم دروس فتح مكة موقف النبي ﷺ من أهلها، حين جمعهم وقال:
«ما تظنون أني فاعل بكم؟»
قالوا: أخٌ كريم وابن أخٍ كريم.
فقال ﷺ:
«اذهبوا فأنتم الطلقاء»
(رواه البيهقي في السنن الكبرى، وثبت معناه في كتب السيرة)
فكان العفو سبباً في إطفاء الفتن، وجمع القلوب، ودخول الناس في دين الله أفواجاً. وهي رسالة خالدة لكل أمة خارجة من محنة: لا استقرار بلا عدل، ولا سلام بلا عفوٍ راشد، ولا بناء بلا مصالحةٍ تحفظ الحقوق وتغلق أبواب الفتنة.
الخاتمة :
إن عودة الحكومة إلى الخرطوم تذكّرنا بسنةٍ ربانيةٍ ثابتة:
أن النصر بيد الله وحده.
وأن الفرح بالنصر لا يكتمل إلا بالشكر والتواضع.
وأن الاستقرار نعمة عظيمة تحتاج إلى حفظها بالوحدة، والدعاء، والعمل الصالح.
اللهم لك الحمد على ما أنعمت، ولك الشكر على ما وفّقت،
اللهم كما نصرت نبيك يوم فتح مكة، فانصر السودان،
واحفظ أهله، وأدم عليه نعمة الأمن والاستقرار،
واجمع كلمته على الحق، وادفع عنه الفتن ما ظهر منها وما بطن.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





