‫الرئيسية‬ مقالات شيء للوطن م.صلاح غريبة خبزٌ وكرامة: حين تُرمّم “الأيدي السمراء” وجه الخرطوم
مقالات - ‫‫‫‏‫4 أسابيع مضت‬

شيء للوطن م.صلاح غريبة خبزٌ وكرامة: حين تُرمّم “الأيدي السمراء” وجه الخرطوم

شيء للوطن  م.صلاح غريبة  خبزٌ وكرامة: حين تُرمّم “الأيدي السمراء” وجه الخرطوم

Ghariba2013@gmail.com

 

بين ركام الحرب وأصوات المدافع التي لم تهدأ تماماً، تبرز من قلب العاصمة السودانية مبادرات تُعيد صياغة مفهوم الإغاثة الإنسانية، متجاوزةً فكرة “المعونة الغذائية” العابرة إلى فكرة “التمكين” المستدام. مشروع “النقد مقابل العمل” ليس مجرد آلية لتوزيع الدعم المالي، بل هو في جوهره عملية “استعادة”؛ استعادة لملامح المدينة التي شوهتها النزاعات، واستعادة لكرامة الإنسان الذي يجد في عرق جبينه ثمناً لقوت يومه.

تكمن عبقرية هذا التوجه في ضرب عصفورين بحجر واحد؛ فهو يوفر دخلاً نقدياً عاجلاً للأسر المتضررة التي فقدت مصادر رزقها بسبب الحرب، وفي الوقت ذاته، يُسخر هذه الطاقات البشرية في مهام حيوية تعجز المؤسسات المنهكة عن القيام بها وحدها، مثل إصحاح البيئة وإزالة تراكمات النفايات.

إن الإشادات الدولية الأخيرة بهذا المشروع تعكس نجاحاً ملموساً على الأرض. فعندما نتحدث عن التخلص من قرابة 70% من تراكمات النفايات في مناطق حيوية بمحلية الخرطوم، فنحن لا نتحدث عن أرقام إحصائية، بل عن تقليل لمخاطر الأوبئة، وتحسين لجودة الحياة، وفتح الطرق أمام عودة النبض الطبيعي للمدينة.

اللافت في هذا الحراك هو الشمولية؛ فلم يتوقف المشروع عند جمع الأنقاض، بل امتد ليرسم وجهاً جمالياً للخرطوم عبر تأهيل الشوارع الرئيسية (مثل شارع محمد نجيب) وتركيب “الأنترلوك” وتوفير سلال المهملات. هذه التفاصيل “الصغيرة” هي التي تمنح المواطن شعوراً بأن مدينته لم تَمُت، وأن إرادة الحياة أقوى من دمار الحرب.

أما البعد الأكثر استراتيجية، فهو ربط هذا المشروع بالبنية التحتية الحيوية. تزويد المراكز الصحية وآبار المياه والمدارس بـ الطاقة الشمسية هو استثمار في المستقبل. في ظل انقطاع الإمدادات الكهربائية، تصبح الشمس هي الملاذ الأخير لضمان استمرار اللقاحات في ثلاجات المراكز الصحية، وتوفير المياه العذبة للمواطنين، وإضاءة الفصول الدراسية للطلاب.

إن نموذج التعاون بين المنظمات الدولية والمؤسسات المحلية والجهات المنفذة يثبت أن “العمل التكاملي” هو الحل الوحيد في أوقات الأزمات. الدعم اللوجستي، خاصة في جانب “الوقود” لتشغيل الآليات، كان حجر الزاوية الذي سمح للخطط بأن تتحول إلى واقع ملموس.

هذا المشروع يبعث برسالة قوية للمجتمع الدولي والمانحين: السودانيون لا ينتظرون هباتٍ عاجزة، بل يبحثون عن فرص للمساهمة في إعمار بلادهم بأيديهم. “النقد مقابل العمل” هو تجسيد حقيقي لمبدأ “الإنسانية التي تبني”، وليس فقط “الإنسانية التي تُطعم”.

إن نجاح هذه التجربة في الخرطوم يجب أن يكون “بروفة” لتعميمها في كافة الولايات المتأثرة. الخرطوم اليوم لا تُنظف شوارعها فحسب، بل تغسل غبار اليأس عن وجوه ساكنيها. إنها دعوة للتفاؤل بأن الغد، رغم مرارة الحاضر، يُمكن أن يُبنى بسواعد الذين رفضوا الانكسار وقرروا أن يجعلوا من مدينتهم مكاناً “معافى وسليماً” من جديد.

‫شاهد أيضًا‬

تفاصيل جديدة عن حادثة تصفية وزير المليش_يا ووالده الشرتاي بشرق دارفور

كشفت معلومات ميدانية جديدة عن تفاصيل دموية صادمة حول اغتيال عاطف محمد جعفر، وزير الشباب وا…