خواطر ابن الفضل الكلمة السواء بين الوضوح العقدي والمجاملة الدينية: أين يقف المسلم؟ د. محمد فضل محمد

كثيرًا ما تُستدعى آيات الحوار والتعايش في غير مواضعها، فتُحمَّل ما لا تحتمل، ويُراد بها أحيانًا تذويب الفوارق العقدية باسم السلام، أو خلط الثوابت الدينية بمفاهيم المجاملة الإنسانية. ومن أكثر الآيات حضورًا في هذا السياق قول الله تعالى:﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.
وهذه الآية العظيمة ليست دعوةً لتجاوز العقيدة، ولا تسويةً بين التوحيد والتثليث، وإنما هي دعوة صريحة إلى توحيد الله وترك الشرك؛ أي إلى أصل الخلاف لا إلى تجاوزه. فهي كلمة سواء في التوحيد، لا في تعدد المعتقدات.
وكذلك قوله تعالى:﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ﴾ وهو وصفٌ لحالٍ اجتماعي وإنساني في اللين وحسن المعاملة، لا تقريرٌ لصحة المعتقد، بدليل أن القرآن نفسه يقرر في مقام العقيدة:
﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾. وهنا يظهر الفارق الجوهري الذي يحرص الإسلام على ضبطه بدقة:
فالإسلام دين عدلٍ ورحمة، يأمر بالبرّ والقسط، ويحفظ كرامة الإنسان أيًّا كان دينه، لكنه في الوقت ذاته لا يُقر الشرك، ولا يسمح بالمشاركة في شعائر دينية تقوم على عقائد تخالف أصل التوحيد.
ومن هذا المنطلق، فإن الاحتفال بالأعياد الدينية القائمة على عقيدة التثليث لا يُعد مجرد مجاملة اجتماعية أو لفتة إنسانية، بل هو إقرارٌ بشعيرة ذات مضمون عقدي، وهو ما لا يجوز شرعًا، مهما حسنت النيات وقد حذّر النبي ﷺ من مسار الذوبان والتقليد العقدي بقوله:
«لتتبعنَّ سننَ من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لدخلتموه» قالوا: اليهود والنصارى؟قال: «فمن؟» (متفق عليه).وقال ﷺ:«من تشبَّه بقومٍ فهو منهم» (رواه أبو داود).
وفي هذا السياق، لا بد من ضبط مفهوم تحقيق عقيدة الولاء والبراء؛ إذ يجب أن يكون وفق مقتضى الشرع لا وفق الأهواء والانفعالات. فالولاء والبراء عقيدة قلبية شرعية، تقوم على الولاء للتوحيد والإيمان، والبراءة من الشرك والعقائد الباطلة، لا على القسوة، ولا على الغلو، ولا على إسقاط القيم الأخلاقية التي جاء بها الإسلام.
فالبراء في الإسلام براءة من المعتقد الباطل لا من الإنسان لذاته، ولا يبرر ظلمًا، ولا يسوغ إساءة، ولا يُبيح العدوان. وقد جمع القرآن بين البراءة العقدية والعدل الإنساني في ميزان دقيق، فقال تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ﴾ فليس من تحقيق الولاء والبراء الذوبان العقدي باسم التسامح، كما أنه ليس منه التشدد الأخلاقي باسم الغيرة. وإنما المنهج الصحيح هو الجمع بين ثبات العقيدة، وحسن الخلق، والعدل في التعامل ولهذا قرر القرآن المبدأ الجامع بقوله تعالى:﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، وهو إعلان وضوح لا قطيعة، وتمييز لا عداء. فالسلام الحقيقي لا يقوم على تمييع العقائد، ولا على تعليق النصوص المحكمة،بل على وضوح الموقف، وعدل المعاملة، وثبات التوحيد. تلك هي الكلمة السواء كما أرادها القرآن
١. وضوحٌ في العقيدة
٢. ورحمةٌ في المعاملة،
٣. وحوارٌ بلا تنازل.
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





