نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي يكتب: وعيٌ يحمي القيم

في زمنٍ تتسارع فيه وسائل الاتصال وتتشابك فيه المنصات الرقمية لتصبح جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية يبرز تحدٍ خطير يتمثل في انتشار الظواهر السالبة والمحتوى غير الأخلاقي الذي يتسلل إلى العقول ويهدد منظومة القيم الراسخة في المجتمع فالمحتوى الذي يفتقر إلى الضوابط الأخلاقية لا يقف عند حدود الترفيه أو التسلية بل يتجاوزها ليصنع واقعاً مشوهاً ويغرس أنماطاً سلوكية غريبة عن بيئتنا وثقافتنا ويضع الأجيال الناشئة أمام اختبارات قاسية بين الانجراف وراء المغريات أو التمسك بجذور الهوية .
إن مواجهة هذه الظاهرة لا يمكن أن تكون مجرد رد فعل عابر بل هي معركة وعيٍ متكاملة تبدأ من الأسرة التي تمثل الحصن الأول لحماية الأبناء مروراً بالمؤسسات التعليمية التي يقع على عاتقها غرس قيم النقد الواعي والتمييز بين الغث والسمين وصولاً إلى الإعلام الذي ينبغي أن يتحمل مسؤوليته التاريخية في تقديم محتوى رصين يوازن بين حرية التعبير ومتطلبات حماية المجتمع من الانحدار الأخلاقي فالمسؤولية هنا جماعية تتقاسمها كل الأطراف الرسمية والشعبية ولا يمكن لأي طرف أن يتنصل منها.
إن بناء وعيٍ يحمي القيم يتطلب استراتيجيات واضحة تبدأ بتعزيز الثقافة الرقمية لدى الشباب وتدريبهم على أدوات الفرز والاختيار الواعي لما يتعرضون له من محتوى كما يتطلب تفعيل التشريعات التي تضع حدوداً صارمة أمام من يروجون للانحراف أو يستغلون الفضاء الإلكتروني لنشر ما يسيء إلى الأخلاق العامة ولا يقل أهمية عن ذلك دور المبادرات المجتمعية التي تزرع في النفوس الثقة بأن القيم ليست مجرد شعارات بل هي سلوك يومي يترجم في المواقف والقرارات
ولعل أخطر ما يواجهنا اليوم هو حالة التطبيع مع السلوكيات السالبة التي تتكرر حتى تصبح مألوفة في نظر البعض وهنا يبرز دور الوعي الجمعي في رفض هذه الممارسات وعدم السماح لها بالتحول إلى جزء من الثقافة السائدة فالمجتمع الذي يملك وعياً حياً هو المجتمع القادر على حماية نفسه من التآكل الداخلي وهو المجتمع الذي يدرك أن القيم ليست رفاهية بل هي أساس الاستقرار والتماسك والقدرة على مواجهة التحديات
إننا أمام مسؤولية تاريخية تستوجب أن نعيد الاعتبار للوعي كأداة دفاعية وأن نغرس في الأجيال الجديدة قناعة راسخة بأن حماية القيم ليست مهمة الدولة وحدها ولا الإعلام وحده ولا الأسرة وحدها بل هي مهمة الجميع وأن أي تراخٍ في هذا الجانب يعني فتح الباب واسعاً أمام الانهيار الأخلاقي الذي لا يرحم أحداً فالمعركة اليوم ليست معركة أفراد بل معركة مجتمع بأكمله مجتمع يسعى لأن يبقى متماسكاً قوياً قادراً على أن يقول لا لكل ما يهدد قيمه وأن يرفع راية الوعي عالياً ليحمي بها مستقبله ومستقبل أبنائه.
meehad74@gmail.com
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





