‫الرئيسية‬ مقالات خواطر ابن الفضل الإلحاد ليس تحرّرًا بل هروبًا من المعنى قراءة نقدية في رسالة فتاة سودانية أعلنت ترك الإسلام في أوروبا
مقالات - ‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

خواطر ابن الفضل الإلحاد ليس تحرّرًا بل هروبًا من المعنى قراءة نقدية في رسالة فتاة سودانية أعلنت ترك الإسلام في أوروبا

خواطر ابن الفضل  الإلحاد ليس تحرّرًا بل هروبًا من المعنى  قراءة نقدية في رسالة فتاة سودانية أعلنت ترك الإسلام في أوروبا

*مقدمة*

تداولت منصّات التواصل الاجتماعي مؤخرًا رسالةً لفتاة سودانية تُدعى نهلة أحمد محمود الجعلي، أعلنت فيها – وبنبرة صادمة – تركها للإسلام، ووصفت نفسها صراحةً بالإلحاد، مؤكدةً أنها “خلعت عباءة الإسلام”، وهاجرت إلى بريطانيا هروبًا – على حدّ تعبيرها – من الشريعة الإسلامية التي وصفتها بأنها تنتقص من المرأة، وتتعامل معها بوصفها “نصف إنسان”، و”عورة”، و”ناقصة عقل ودين”، وتُجيز ضربها، وتقيّد حياتها باسم الدين.

وقدّمت صاحبة الرسالة صورةً وردية لما سمّته “الحضارة الإنسانية” في الغرب، معتبرةً إياها البديل الأخلاقي والمعرفي للإسلام، حيث الحرية المطلقة والمساواة الكاملة والتعليم الحديث، في مقابل ازدرائها لعلوم الشريعة وأحكامها، وسخريتها من مفاهيم الجنة والآخرة، وتقديمها الإلحاد بوصفه تحرّرًا فكريًا وخلاصًا وجوديًا.

وأمام هذا الخطاب الانفعالي، الذي لا يقوم على بحثٍ علمي رصين ولا قراءةٍ منصفة للنصوص، كان لا بد من وقفةٍ هادئة تُبيّن أن الإلحاد ليس حلًا للمشكلة، بل تعقيدًا لها، وأن ما طُرح من شبهات واهٍ مكرور، قُتل بحثًا وردًّا قديمًا وحديثًا، وأن انسلاخ الأفراد – مهما علا صوتهم – لا يضر الإسلام في شيء.

 

*أولًا: الإسلام لا يقوم بالأشخاص ولا يسقط بخروجهم*

 

ان الإسلام دين وحي لا حزبًا بشريًا تُقاس صحته بعدد المنتمين إليه. قال تعالى:﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا ۚ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَٰئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۖ وَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ وفي الحديث القدسي: «يا عبادي، لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجلٍ واحد ما نقص ذلك من مُلكي شيئًا».

فالخسارة هنا على المرتد لا على الدين، والله غني عن العالمين.

 

*ثانيًا: دعوى اضطهاد المرأة افتراء على النص لا على الواقع*

 

ولا ريب ان الإسلام قرر كرامة المرأة إنسانًا مكلفًا منذ أربعة عشر قرنًا:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾. أما النصوص التي يُساء فهمها – كحديث “نقصان العقل والدين” – فقد بيّن العلماء معناها وسياقها، وأنها توصيفٌ لوظائف معيّنة لا انتقاصٌ للكرامة ولا تبريرٌ للظلم. ولو كان الإسلام كما صُوّر، لما خرجت من رحمه عالمات ومحدّثات وفقيهات أسهمن في بناء الحضارة الإسلامية والخلل – حيث وُجد – في التطبيق البشري لا في التشريع الإلهي، والخلط بين الأمرين مغالطة قديمة.

 

*ثالثًا: العلم الحديث لا يجيب عن سؤال المعنى*

 

ان العلم يشرح “كيف تعمل الأشياء”، لكنه لا يجيب عن “لماذا نعيش”. ولهذا، رغم التقدم المادي الهائل في الغرب، تعاني مجتمعاته من أزمة معنى خانقة: ارتفاع معدلات الاكتئاب والانتحار، تفكك الأسرة، عزلة الفرد، واختزال الإنسان – والمرأة خصوصًا – في منطق السوق والإعلان والعمل.

ولهذا تُدرّس الأخلاق والدين في أعرق الجامعات الغربية، لأن الإنسان لا يعيش بالمعادلات وحدها.

 

*رابعًا: وهم “الحضارة الغربية” ومتاعها الزائل*

 

ليست الحضارة الغربية جنةً أخلاقية كما يُروَّج لها في الخطاب الإعلامي والفلسفي المعاصر؛ بل هي حضارة قامت – ولا تزال – على منطق القوة، واستعمار الشعوب، وإشعال الحروب، وتقديم المصلحة المجردة على القيم الإنسانية.

صحيح أنها حققت وفرة مادية وتقدمًا تقنيًا لافتًا، غير أن هذا الازدهار لم يُثمر طمأنينةً نفسية، ولم يمنح الإنسان سكينةً روحية، ولم يقدّم جوابًا شافيًا عن السؤال الوجودي الأكبر: لماذا نعيش؟

فما جدوى الرفاه إذا خلا من المعنى؟ وما قيمة التقدم إذا صاحَبَه فراغٌ روحي، وقلقٌ وجودي، وتفككٌ اجتماعي؟

إنها حضارة أغرقت الإنسان في الاستهلاك، وأشبعته مادّة، لكنها أفقرته معنى، فجاء توصيف الوحي دقيقًا وحاسمًا حين قال الله تعالى:

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾.

 

*خامسًا: الهجرة لا تُثبت صحة الفكرة*

 

وإذا كانت الحضارة الغربية – كما سلف – قد أغرت العالم ببهـرج التقدّم المادي، فإن هذا البهــرج نفسه لا يصلح ميزانًا للحقيقة، ولا يصلح معه الاستدلال بالهجرة بوصفها حكمًا أخلاقيًا أو فكريًا. فالهجرة ليست تصويتًا حضاريًا ولا شهادةً على صواب القيم؛ بل هي استجابة لضغوط الاقتصاد، واختلالات السياسة، وهواجس النفس، لا لصفاء الفكرة أو عمق المعنى.

ولو كانت الهجرة دليلًا على الحق، لكان الاتجاه واحدًا لا متناقضًا. غير أن الواقع يكشف مفارقة لافتة: ففي الوقت الذي يرحل فيه بعض الناس بحثًا عن فرص العيش، يشهد الغرب نفسه تحوّلًا هادئًا يعاكس القصص السائدة؛ إذ يدخل الآلاف في الإسلام في أوروبا وأمريكا عن وعيٍ عقلي واقتناعٍ روحي، بعدما اصطدموا بفراغ المادية، واكتشفوا أن الرفاه بلا معنى، وأن الحضارة التي تُشبِع الجسد تعجز عن إنقاذ الروح.

 

وأخيرا أقول بلا شماتة قد يكون اندفاع الشباب، والصدمة الثقافية، والتمرّد على واقعٍ مؤلم، عوامل دفعت صاحبة الرسالة إلى هذا المسار. لكن الهروب من الإيمان لا يشفي الجرح، بل يؤجله. قال تعالى:

﴿فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ ۚ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.

الإسلام باقٍ بنصّه ووحيه، لا تزيده الردّة ضعفًا ولا تنقصه قوة، والخاسر الحقيقي هو من استبدل اليقين بالفراغ، والمعنى بالتيه. والباب – ما دام العمر – لم يُغلق بعد.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…