‫الرئيسية‬ مقالات إتجاه البوصلة بقلم/الجزولي هاشم معركة الوعي وغربال الشعب الناعم في مستقبل السياسة السودانية: هل من عودة لمن خان وأنكر؟
مقالات - ‫‫‫‏‫أسبوعين مضت‬

إتجاه البوصلة بقلم/الجزولي هاشم معركة الوعي وغربال الشعب الناعم في مستقبل السياسة السودانية: هل من عودة لمن خان وأنكر؟

إتجاه البوصلة  بقلم/الجزولي هاشم  معركة الوعي وغربال الشعب الناعم في مستقبل السياسة السودانية: هل من عودة لمن خان وأنكر؟

في لحظات التحول الكبرى، لا تُحسم المعارك بالسلاح وحده، بل تُحسم أولًا في ميدان الوعي. والسودان اليوم يخوض أخطر معاركه: معركة فرزٍ هادئة، عميقة، لا ضجيج فيها ولا شعارات، لكنها أكثر حسماً من أي اقتتال. إنها معركة غربال الشعب الناعم؛ ذلك الغربال الذي لا يرى ثقوبه إلا من يظن أن الذاكرة الوطنية قصيرة، وأن الخيانة يمكن أن تُمحى بخطاب جديد أو قناع مختلف.

ما بعد الحرب ليس مجرد إعادة ترتيب للمشهد السياسي، بل إعادة تعريف للشرعية ذاتها: من له الحق في الكلام؟ ومن يملك رصيد الثقة؟ ومن سقط اسمه أخلاقيًا قبل أن يسقط سياسيًا؟ لقد تعلّم السودانيون، بثمنٍ باهظ، أن ليست كل معارضة وطنية، ولا كل دعوة للسلام بريئة، ولا كل خطاب مدني منزّهًا عن التواطؤ.

غربال الشعب لا يعمل بالثأر، بل بالذاكرة. لا يقصي الناس بسبب اختلاف الرأي، بل بسبب خيانة الموقف. يفرّق بين من أخطأ واجتهد فراجع، وبين من أنكر وتآمر ثم عاد يطلب مقعدًا في الصف الأول. الفارق هنا أخلاقي قبل أن يكون سياسيًا. فالتاريخ قد يغفر الخطأ، لكنه لا يرحم الخيانة حين تُغلف بالإنكار.

معركة الوعي تعني نهاية زمن الاستهبال السياسي. لم يعد ممكنًا تسويق الوجوه ذاتها بخطاب مُعاد التدوير. لم يعد الشعب ذلك الجمهور الذي يُستدرج بالخوف أو تُخدّره الوعود. الحرب، بكل قسوتها، رفعت منسوب الإدراك العام: من وقف مع الدولة، ومن راهن على سقوطها؛ من صمد مع الناس، ومن هرب إلى العواصم؛ من دفع الثمن، ومن تاجر بالدم.

السؤال الحاسم إذن: هل من عودة لمن خان وأنكر؟

الجواب ليس بيد النخب ولا المواثيق، بل بيد هذا الغربال الشعبي الصامت. عودة مشروطة باعتراف صريح، ومراجعة شجاعة، وتحمل للمسؤولية، لا عودة بالتجميل ولا بالقفز فوق الوقائع. أما من يصرّ على الإنكار، فسيكتشف أن السياسة في السودان بعد الحرب لم تعد بلا ذاكرة، وأن الشعوب-حين تستيقظ-لا تنسى.

في المستقبل القريب، ستتقدم السياسة بوصفها أخلاقًا عامة قبل أن تكون صفقات. ومن لا ينجح في امتحان الوعي، سيسقط تلقائيًا، بلا ضجيج، من ثقوب غربال الشعب الناعم..

حسبنا الله ونعم الوكيل.

نصر من الله وفتح قريب.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…