حديث الساعة إلهام سالم منصور لماذا لا يستفيد السودان من موارده المعدنية والزراعية وكل ثرواته حتى الآن لتعمير ما دمرته الحرب؟ سؤال لأولي الألباب

هذا السؤال ليس عابرًا، بل هو جوهر الأزمة السودانية كلها. فالمفارقة المؤلمة أن السودان يجلس فوق كنز هائل من الموارد، بينما يعجز عن ترميم مدرسة، أو مستشفى، أو طريق دمرته الحرب. وهنا لا بد من الذهاب أعمق، بعيدًا عن التوصيف السطحي، إلى جذور الخلل الحقيقي.
أولًا: المشكلة ليست في الموارد بل في فلسفة الحكم.
الدول التي نهضت لم تكن أغنى من السودان، لكنها امتلكت فلسفة حكم تعتبر الموارد أمانة عامة لا غنيمة سياسية. في السودان، ظلت الموارد تُدار بعقلية “من يحكم يستفيد”، لا “من يحكم يخدم”. لذلك، كل نظام يأتي يعيد توزيع الثروة على دائرة ضيقة، ثم يرحل وتبقى الدولة خاوية.
ثانيًا: تسييس الاقتصاد وتفريغ المؤسسات.
الاقتصاد السوداني لم يُترك يومًا ليُدار بعلم وخبرة، بل أُقحم في الصراع السياسي. تم تهميش الكفاءات، وتفريغ الوزارات والمؤسسات من الخبراء، وتحويلها إلى أدوات ولاء. فكيف تُدار الزراعة بلا مختصين؟ وكيف يُستثمر التعدين بلا قواعد علمية وبيئية واضحة؟
ثالثًا: الذهب نموذجًا للنهب المنظم.
الذهب، وهو أكبر مورد نقدي للسودان اليوم، تحول من نعمة إلى نقمة. التعدين العشوائي، التهريب المنظم، الشركات الوهمية، وتعدد مراكز القرار، كلها جعلت عائد الذهب خارج الموازنة العامة. دولة لا تعرف كم يُنتج ذهبها يوميًا، لا يمكنها أن تبني به وطنًا.
رابعًا: الزراعة… القطاع المهمل عمدًا.
السودان قادر أن يكون سلة غذاء حقيقية، لا شعارًا مكررًا. لكن غياب التمويل، وانهيار مشاريع الري، وتدهور البنية التحتية، وترك المزارع وحيدًا أمام التكلفة والمخاطر، كلها عوامل قتلت الزراعة. الأسوأ أن السياسات الزراعية تُصاغ من المكاتب، لا من الحقول.
خامسًا: الحرب كشفت المستور ولم تصنعه.
الحرب لم تكن سبب الانهيار، بل نتيجة طبيعية لتراكمات طويلة: اقتصاد هش، تفاوت تنموي، تهميش مناطق كاملة رغم غناها بالموارد. حين تغيب العدالة في توزيع الثروة، يصبح الصراع حتميًا، وتتحول الموارد إلى وقود للحرب بدل أن تكون ركيزة للسلام.
سادسًا: غياب مشروع وطني لإعادة الإعمار.
إعادة الإعمار ليست إسمنتًا وحديدًا فقط، بل رؤية متكاملة: أي السودان نريد؟ ما أولوياتنا؟ كيف نربط الإنتاج بالإعمار؟ حتى الآن، لا يوجد مشروع وطني واضح يربط بين موارد البلاد وإعادة بناء ما دمرته الحرب، بل مجرد ردود أفعال وانتظار للدعم الخارجي.
سابعًا: المجتمع خارج المعادلة.
أخطر ما في الأزمة أن المواطن تم إبعاده من معادلة الثروة. المجتمعات المحلية في مناطق التعدين والزراعة لا ترى أثرًا حقيقيًا للموارد، مما يولد الإحباط والغضب. إشراك الإدارات الأهلية والمجتمع في حماية الموارد وتوزيع عائدها بعدالة هو مفتاح الاستقرار.
ثامنًا: التعويل الخاطئ على الخارج.
لا دولة تعافت بالحرب عبر المنح وحدها. الخارج يساعد من يساعد نفسه. السودان يملك ما يكفيه ليبدأ الإعمار فورًا لو أحسن إدارة موارده، لكن العقلية الاتكالية أخّرت الحل، وربطت مصير البلاد بأجندات الآخرين.
ما الطريق إلى الخلاص؟
توحيد القرار الاقتصادي ووضع الموارد تحت ولاية الدولة فقط.
إيقاف تهريب الذهب ومراجعة كل عقود التعدين.
إعادة الاعتبار للزراعة كمشروع قومي لا قطاع هامشي.
ربط عائد الموارد مباشرة بصندوق وطني لإعادة الإعمار.
بناء دولة مؤسسات تحاسب ولا تجامل.
الخلاصة:
السودان لا يحتاج إلى اكتشاف ثروات جديدة، بل إلى شجاعة في مواجهة الحقيقة. ما دمرته الحرب يمكن تعميره بموارد السودان نفسها، إذا صدقت النوايا، وتقدمت مصلحة الوطن على المصالح الضيقة. وسيظل السؤال قائمًا، لا ليُجاب عنه بالكلام، بل بالفعل: متى نُحسن استثمار ما نملك؟
ذلك، حقًا، سؤال لأولي الألباب.
الخميس ٢٢يناير ٢٠٢٦
د. زاهر إبراهيم مرجان… قامةُ عطاءٍ إذا ذُكرت حضر الأثر
في المجتمعات الحيّة، لا تُقاس القامات بضجيج الألقاب، ولا تُوزن الرجال بطول المناصب، وإنما …





