رسالتنا الي والي الشمالية.. قليل من البوح… حتى لا يتسع الفتق
عوض الكريم إبراهيم محمد ابراهيم

في مسيرة المجتمعات، وجود قيادة رشيدة وملهمة ليس ترفاً إدارياً ولا مجرد موقع في سلم السلطة، بل هو شرط أساسي للاستقرار، وصمام أمان لمعالجة الاختلالات، وميزان أخلاقي لضبط المصالح والتناقضات داخل المجتمعات المحلية. فالقيادة الحقيقية لا تُقاس بالقرارات وحدها، بل بقدرتها على تحقيق العدالة، وبمدى اقترابها من الناس وهمومهم.
ومنذ وقت بعيد، ظل هناك همس وجهر في المجالس والبيوت والمنتديات، بأن بعض الأطراف باتت مهيمنة ومستأسدة على كل شيء، خاصة حين تغيب الشفافية، ويختل ميزان العدالة، ويُساء استخدام السلطة. وهذا وضع بالغ الخطورة، لأن الظلم لا يصنع فقط شعوراً بالقهر، بل يراكم الغبن في الصدور حتى يتحول إلى أزمة ثقة عميقة بين المواطن ومؤسسات الحكم.
لقد كان نظام الحكم المحلي – في فترات سابقة – خطوة إيجابية أسهمت في تخفيف الاحتقان وتقليل حدة الصراعات بين المحليات، وقرّبت القرار من المواطن، لكن حين يُختطف هذا النظام، وتُفرغ العدالة من مضمونها، وتُدار السلطة بالمزاج لا بالقانون، يتحول الحكم المحلي من أداة استقرار إلى أداة إفساد، ومن وسيلة تنظيم إلى وقود صراع جديد.
ما يدفعني لهذا البوح – رغم تحفّظي – هو السياسات العرجاء التي تنتهجها الولاية تجاه محلية مروي، سياسات لا تقوم على عدالة، ولا على موضوعية، ولا على فهم عميق لتعقيدات الواقع ومآلات الأمور، بل على تجاوزات واضحة، وتدخلات سافرة، وتغوّل في الصلاحيات، حتى أصبح الإحساس العام لدى الناس أن القرار يُصنع بعيداً عن مروي وأهلها.
وأنا هنا لا أطلق الاتهامات جزافاً، ولا أكتب بدافع الخصومة، وإنما أستند إلى وقائع وأحداث كبيرة وعظيمة الأثر، أحدثت شرخاً حقيقياً في الوجدان العام، وربما تقود – إن استمرت – إلى تغيير جذري في تفكير أهل مروي أنفسهم بشأن علاقتهم بعاصمة الولاية دنقلا. هذا التفكير اليوم لم يعد رأياً هامشياً، بل أصبح ظاهرة عامة، حتى عند أولئك الذين كانوا أكثر الناس قناعة بالارتباط الإداري والسياسي بالولاية.
أولاً: ملف المقاومة الشعبية
في أقل من عامين تم تكوين المقاومة الشعبية في مروي وحلها خمس مرات. خمس مرات من العبث، دون اعتبار لتطلعات الناس أو أشواقهم أو رؤيتهم. التكوين كان يتم وفق أهواء أشخاص، لا وفق إرادة مجتمع.
كانت في المقاومة قيادات ذات تأثير شعبي حقيقي، تمتلك رؤية وتنظيماً وخبرة، لكن تم إقصاؤها بلا أسباب واضحة، ولا معايير معلنة، استجابة لضغوط أصحاب مصالح ومراكز نفوذ.
والنتيجة؟
خفتت المقاومة.
تراجع دورها.
ضاعت هيبتها.
توقف التدريب.
وتشتت الجهد الشعبي.
الأخطر من ذلك، أننا لم نرَ تمثيلاً حقيقياً لمروي في المقاومة على مستوى الولاية، وكأن المقاومة الولائية حُصرت في محلية واحدة فقط، رغم أن مروي من أكبر محليات الولاية، بل كانت صاحبة قصب السبق في تأسيس فكرة المقاومة الشعبية نفسها. من مروي انطلقت الفكرة، ومن مروي بدأ التصدي المبكر للتمرد، ومع ذلك تم تهميشها بصورة فجة ومباشرة.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة:
لماذا هذا الإقصاء؟
ولماذا هذا التهميش؟
أليست مروي جزءاً أصيلاً من الولاية؟
أليس لها حق أخلاقي ودستوري وسياسي؟
أم أن الموازين قد اختلت، والمعايير تغيّرت؟
ثانياً: ملف الدعم الشعبي والمجهود الحربي
عندما اندلعت الحرب وغابت الدولة، نهض المواطنون بوعي وطني نادر. كلٌ قدّم ما يستطيع: مالاً، جهداً، وقتاً، وفكراً. وعلى رأس هؤلاء كانت الغرفة التجارية بمروي، التي أبلت بلاءً حسناً في دعم المجهود الحربي، وابتكرت رسوماً واستقطاعات ساهمت مباشرة في تجهيز المقاتلين ودعم الكتائب.
لكن فجأة، ودون تفسير مقنع، تم إيقاف هذه الأموال بالكامل.
تُركت الكتائب تتكفف الناس.
تُرك المقاتلون بلا دعم.
وفي المقابل، محليات أخرى استمرت فيها ذات الأموال تعمل بلا قيود.
هنا لم يعد الأمر سوء إدارة… بل أصبح ظلماً صريحاً.
وهنا لم يعد التحفظ صمتاً… بل غضباً مشروعاً.
ثالثاً: مشروع دواجن النيل
وهو أخطر الملفات على الإطلاق.
مشروع دواجن النيل الذي أُنشئ خصيصاً لأهل المنطقة، ليكون نواة تنمية حقيقية، وتعويضاً أخلاقياً عن تضحيات أهل أمري الذين تحملوا ما لا يُحتمل في سبيل مشاريع قومية.
هذا المشروع هو حق أصيل لأهل مروي، اقتصادياً واجتماعياً ومعنوياً.
وإيلاؤه للولاية يمثل – في نظر الناس – دق إسفين حقيقي في العلاقة بين مروي والولاية، وربما يكون الشرارة الأخطر في مسار القطيعة النفسية والسياسية.
وأخيراً… رسالة إلى الوالي
يا أيها الوالي،
لماذا لم نرك في مروي؟
لماذا لم نزرك متفقداً أحوالها؟
لماذا لم تحضر في أفراحها؟
ولماذا غبت في أزماتها؟
أتتنا مروي بالخير فلم نرك مباركاً،
وأصابتها الأزمات فلم نرك مواسياً،
وغابت الدولة فنهض المواطن،
وغاب المسؤول فحضر العبء.
من حق مروي أن تُزار،
ومن حق أهلها أن يُسمع صوتهم،
ومن حقهم أن يشعروا أنهم جزء من الولاية، لا هامشاً فيها.
وفي النفس أشياء كثيرة…
لكن هذا قليل من البوح،
حتى لا يتسع الفتق،
وقبل أن يتحول الصمت من حكمة… إلى قطيعة و الي فشل وحدت الولاية وتكون الانت المتسبب في ذلك
2026/1/31
مروي
تنقاسي الرويس
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





