‫الرئيسية‬ مقالات السودان 2026: كسر “طوق الإهمال” وسط دوي المدافع وتساقط المسيرات
مقالات - ‫‫‫‏‫7 أيام مضت‬

السودان 2026: كسر “طوق الإهمال” وسط دوي المدافع وتساقط المسيرات

شيء للوطن م.صلاح غريبة

السودان 2026: كسر “طوق الإهمال” وسط دوي المدافع وتساقط المسيرات

Ghariba2013@gmail.com

 

بينما يحتفي العالم في الثلاثين من يناير بالتقدم المحرز في مكافحة أمراض المناطق المدارية المُهمَلة (NTDs)، يقف السودان في عام 2026 أمام مفارقة مؤلمة؛ حيث لم يعد “الإهمال” مجرد وصف طبي لمجموعة من الأمراض المرتبطة بالفقر، بل أصبح واقعاً يومياً يفرضه صراع مسلح تجاوز يومه الألف، محولاً البلاد إلى بؤرة لأكبر أزمة إنسانية وصحية في العصر الحديث.

إن الحديث عن أمراض مثل المايستوما (المتورم الفطري)، الليشمانيا، وعمى النهر في وقت تكافح فيه البلاد الكوليرا والجوع، قد يبدو للبعض “ترفاً” إعلامياً. لكن الحقيقة العلمية والإنسانية تقول عكس ذلك تماماً؛ فهذه الأمراض لا تتوقف عند حدود المعارك، بل تتغذى على النزوح والانهيار البيئي. مع خروج أكثر من 70% من المرافق الصحية في مناطق النزاع عن الخدمة، تحولت معسكرات النازحين التي تفتقر لأدنى مقومات الإصحاح البيئي إلى مرتع خصب لهذه الأوبئة الصامتة.

إن خروج السودان من دائرة الدول الموبوءة بهذه الأمراض ليس مجرد هدف صحي، بل هو ركيزة أساسية للاستقرار المستقبلي لثلاثة أسباب جوهرية، تشمل العبء الاقتصادي المزدوج، هذه الأمراض تصيب الفئات المنتجة (المزارعين والرعاة) تسبب إعاقات دائمة. السودان الذي يحتاج لإعادة الإعمار لا يمكنه تحمل جيل من المقعدين بسبب أمراض يمكن الوقاية منها بتكلفة زهيدة، والأمن الصحي القومي، انتقال العدوى وسط ملايين النازحين (13.6 مليون نازح حالياً) يعني أن المرض الذي كان محصوراً في بقعة جغرافية معينة قد ينتشر الآن في كل ولايات السودان، بل ويعبر الحدود، مما يهدد الأمن الصحي الإقليمي، للوصول للحق في الكرامة، المريض بـ “المايستوما” في ريف الجزيرة أو كردفان لا يعاني من ألم العضو المصاب فحسب، بل من وصمة اجتماعية وعجز يضاعف مرارة النزوح وفقدان المأوى.

رغم ظروف الحرب، لا يزال بإمكان السودان، وبدعم دولي حقيقي، تحقيق خروقات في هذا الملف عبر دمج المكافحة في الإغاثة لا يجب أن تقتصر قوافل المساعدات على الغذاء، بل يجب أن تشمل “أدوية الأمراض المهملة” ضمن الحزم الصحية الأساسية للنازحين، وفي مجال التكنولوجيا والترصد، ضرورة استخدام تطبيقات الهواتف الذكية للتشخيص عن بُعد في المناطق التي يصعب وصول الكوادر المتخصصة إليها، بالإضافة إلى تفعيل المراكز المتخصصة: دعم الصمود الأسطوري لمراكز مثل “مركز أبحاث المايستوما” بسوبا، الذي ظل منارة علمية رغم التحديات، ليكون نواة لتعافي النظام الصحي.

إن شعار اليوم العالمي لهذا العام “اتحدوا، اعملوا، اقضوا عليها” يجب أن يترجم في السودان إلى “أنقذوا السودان من الإهمال المزدوج”. إن الحرب ستنتهي يوماً ما، لكن إذا لم نتحرك الآن، فإن الأوبئة التي ترسخت في غياب الدولة ستظل تنهش في جسد السودانيين لعقود قادمة.

الخروج من قائمة الدول الموبوءة بالأمراض المدارية المهملة ليس “أمنية”، بل هو معركة استرداد للحق في حياة كريمة، وهي معركة لا تقبل التأجيل، حتى تحت دوي المدافع.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…