‫الرئيسية‬ مقالات مستقبل السودان ما بعد الحرب… تصحيح المسار ضرورة وطنية حتى لا نكرر أخطاء الماضي
مقالات - ‫‫‫‏‫6 أيام مضت‬

مستقبل السودان ما بعد الحرب… تصحيح المسار ضرورة وطنية حتى لا نكرر أخطاء الماضي

حديث الساعة إلهام سالم منصور

مستقبل السودان ما بعد الحرب… تصحيح المسار ضرورة وطنية حتى لا نكرر أخطاء الماضي

ما بعد الحرب في السودان ليس مجرد نهاية لمرحلة دامية، بل هو بداية امتحان تاريخي حاسم: إما أن نمتلك شجاعة تصحيح ما مضى وبناء دولة حقيقية، أو نعيد إنتاج ذات الأخطاء التي قادتنا إلى هذا الخراب.

 

فالحرب لم تكن حدثًا مفاجئًا، بل نتيجة طبيعية لتراكم طويل من الإخفاقات السياسية، وغياب الرؤية الوطنية، وضعف الدولة، وتغليب المصالح الضيقة على مصلحة الوطن.

إن أول واجبات المرحلة القادمة هو الاعتراف بأن السودان أُدير لعقود بعقل الأزمة لا بعقل الدولة. كنا نُسكّن الألم بدل معالجة المرض، ونُرحّل القضايا المصيرية من جيل إلى جيل حتى انفجرت في وجه الجميع. الإقصاء، والتهميش، وغياب العدالة، وانهيار المؤسسات، وتسييس السلاح، كلها عوامل صنعت هذا الواقع، وأي حديث عن مستقبل مختلف دون مواجهة هذه الحقائق هو تضليل للذات قبل أن يكون تضليلًا للشعب.

 

ما بعد الحرب يفرض إعادة تعريف الدولة نفسها: دولة تقوم على عقد اجتماعي جديد، يكون فيه المواطن هو محور السلطة وغايتها، لا مجرد تابع. دولة مؤسسات لا دولة أفراد، يحكمها القانون لا الأمزجة، وتُدار بالكفاءة لا بالمحاصصات. فغياب المؤسسية كان المدخل الأكبر للفساد والانهيار، وهو ما يجب أن يُغلق بلا تردد.

 

كما أن قضايا العدالة والإنصاف لم تعد قابلة للتأجيل. فلا سلام دائم بلا عدالة انتقالية حقيقية، تُنصف الضحايا، وتكشف الحقيقة، وتُحاسب كل من أجرم في حق الوطن، دون انتقام ودون إفلات من العقاب. فالتسويات الهشة التي تتجاوز العدالة كانت دائمًا بذور حروب جديدة.

اقتصاديًا، تمثل مرحلة ما بعد الحرب معركة لا تقل خطورة عن الحرب نفسها. السودان لا يفتقر إلى الموارد، بل يفتقر إلى الإدارة الرشيدة. المطلوب هو الانتقال من اقتصاد الريع والنهب إلى اقتصاد الإنتاج والتنمية، واستعادة السيطرة الوطنية على الثروات الزراعية والمعدنية، ومحاربة الفساد كخيار وجودي، لا كشعار موسمي. فالفقر والتهميش هما الوقود الدائم للفوضى والصراع.

 

أما على المستوى الأمني، فلا يمكن الحديث عن دولة مستقرة مع تعدد مراكز القوة والسلاح. ما بعد الحرب يتطلب حسمًا وطنيًا واضحًا: جيش سوداني واحد، مهني، قومي العقيدة، بعيد عن السياسة، يكون صمام أمان الدولة وحامي وحدتها، لا طرفًا في صراعاتها. فالدول لا تُبنى بالمليشيات، ولا تستقر بتسييس السلاح.

وفي قلب كل ذلك، تبقى معركة إعادة بناء النسيج الاجتماعي هي الأصعب والأهم. فقد خلّفت الحرب جراحًا عميقة، وانقسامات حادة، وخطاب كراهية خطير. وهنا يبرز الدور المحوري للإدارات الأهلية، ورموز المجتمع، والإعلام الوطني، والمثقفين، في ترميم الثقة، ونشر ثقافة التعايش، وتقديم مصلحة الوطن على كل الانتماءات الضيقة. فالدولة لا تُبنى بالحجر وحده، بل ببناء الإنسان أولًا.

إن مستقبل السودان ما بعد الحرب لن يُصنع بالأمنيات ولا بالشعارات، بل بإرادة سياسية صادقة، ووعي شعبي عميق، واستفادة حقيقية من دروس الماضي القاسية. فإما أن نُعدّل المسار ونؤسس لدولة عادلة وقوية، أو نُكرر ذات الأخطاء وندفع الثمن أضعافًا مضاعفة.

التاريخ منح السودان فرصة جديدة مكلفة بالدم والدموع… فهل نملك الشجاعة لنستحقها؟

الخميس ٢٨يناير٢٠٢٦

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…