‫الرئيسية‬ مقالات جرأة الوصاية في الخطاب الأمريكي تجاه العراق
مقالات - ‫‫‫‏‫4 أيام مضت‬

جرأة الوصاية في الخطاب الأمريكي تجاه العراق

السفير/ رشاد فراج الطيب يكتب في العلاقات الدولية

جرأة الوصاية في الخطاب الأمريكي تجاه العراق

جاء تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب برفضه ترشيح السيد نوري المالكي رئيسا للحكومة العراقية الجديدة عقب الانتخابات الأخيرة ، مهددا بعدم تقديم اي دعم للعراق اذا تم انتخابه ، زاعما ان العراق سيكون خاضعا لايران تحت ادارة المالكي وانه لن يخدم المصالح الوطنية العراقية !

 

وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد سبق رئيسه بتصريح مشابه ، قال فيه إن أي حكومة عراقية خاضعة لإيران « لن تستطيع وضع مصالح العراق أولاً أو تحقيق الاستقرار » !

 

في توقيت بالغ الدلالة ، متزامناً مع مشاورات تشكيل الحكومة العراقية الجديدة عقب انتخابات نوفمبر 2025 .

 

التصريحات الامريكية تندرج في إطار تأكيد موقف واشنطن الداعي إلى قيام حكومة عراقية « تضع مصالح البلاد أولاً » وتعمل على الاستقرار الإقليمي والتعاون مع شركائها.

 

غير أن هذه التصريحات ، التي تبدو في ظاهرها نصحاً سياسياً ، تتجاوز في شكلها ومضمونها حدود اللباقة الدبلوماسية التقليدية ، وتعكس جرأة لافتة في ممارسة الوصاية السياسية والعجرفة ، وتكشف عن منطق أمريكي راسخ في التعاطي مع العراق بوصفه ساحة نفوذ لا دولة مكتملة السيادة .

 

فواشنطن ، التي تتحدث بثقة الوصي عن “ مصلحة الشعب العراقي ” ، تُعيد تعريف هذه المصلحة من زاوية الاصطفاف السياسي والخيارات الاستراتيجية ، لا من زاوية الإرادة الوطنية أو مخرجات العملية السياسية الداخلية ، مهما كانت تعقيداتها .

وتكشف التصريحات ، في عمقها ، عن تناقض بنيوي في الخطاب الأمريكي طالما لازم سياساتها في المنطقة .

 

فالولايات المتحدة ترفع شعار الديمقراطية واحترام خيارات الشعوب ، لكنها لا تتردد في الطعن في هذه الخيارات متى ما أفرزت قوى أو تحالفات لا تنسجم مع أولوياتها أو مع حسابات نفوذها الإقليمي .

 

وهكذا تتحول “مصلحة الشعب” إلى مفهوم انتقائي ، يُستدعى لتبرير الضغط والتدخل ، لا لاحترام السيادة أو تمكين القرار الوطني .

 

وتزداد المفارقة وضوحاً حين يصدر هذا الخطاب عن الرئيس ووزير خارجيته في إدارة يُنظر إليها ، على نطاق واسع ، باعتبارها خاضعة هي نفسها لتأثير مصالح دولة أجنبية هي إسرائيل .

 

فحجم النفوذ الإسرائيلي في دوائر صنع القرار الأمريكي لم يعد محل جدل جدي ، بل بات حقيقة تناقشها النخب السياسية والفكرية ودافعو الضرائب في الولايات المتحدة نفسها .

 

وقد أظهرت العقود الأخيرة أن كثيراً من سياسات واشنطن في الشرق الأوسط ، من العراق إلى إيران ، ومن فلسطين إلى سوريا ، تُصاغ أو تُعدَّل بما يراعي الرؤية الإسرائيلية ، حتى عندما يتعارض ذلك مع القانون الدولي أو مع استقرار المنطقة أو حتى مع المصالح الأمريكية بعيدة المدى .

 

في هذا السياق ، تبدو المواعظ الامريكية للعراقيين مثالاً صارخاً على ازدواجية المعايير وفقدان الصدقية .

 

فالتبعية تُدان عندما تكون لطرف تُصنِّفه واشنطن خصماً ، لكنها تُبرَّر أو يُغض الطرف عنها عندما تكون مرتبطة بحليف استراتيجي .

 

وهكذا يُعاد تعريف مفاهيم السيادة والاستقلال والديمقراطية تعريفاً وظيفياً ، يخدم معادلات الهيمنة لا القيم التي يجري الترويج لها في الخطاب الرسمي .

 

كما تعكس التصريحات استمرار النظر إلى العراق باعتباره ملفاً أمنياً وساحة صراع نفوذ ، لا دولة لها خصوصيتها وتوازناتها الوطنية.

 

فبدلاً من تشجيع قيام حكومة عراقية متوازنة ، تستند إلى شرعية داخلية ، وتُحسن إدارة علاقاتها الخارجية على قاعدة المصالح المتبادلة ، تُطرح معادلة تبسيطية ومضللة ، إما حكومة “ مقبولة أمريكياً ” أو حكومة “ لا تخدم شعبها ” .

 

وهي معادلة تتجاهل تعقيدات المشهد العراقي ، وتُغذي الانقسام الداخلي ، وتُبقي البلاد رهينة للتجاذبات الإقليمية والدولية.

 

إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه لا يكتفي بإضعاف مفهوم السيادة ، بل يُسهم في ترسيخ نموذج دولي مختل ، تُمارَس فيه الوصاية باسم الديمقراطية ، ويُدان الخضوع عند الخصوم ، ويُتسامح معه عند الحلفاء .

 

أما المصلحة الحقيقية للشعب العراقي ، فلا تتحقق باستبدال تبعية بأخرى ، ولا بالارتهان لصراعات الآخرين ، بل ببناء دولة قادرة على اتخاذ قرارها الوطني المستقل ، ومحاسبة كل نفوذ خارجي – أمريكياً كان أو إيرانياً أو غيرهما – بميزان المصلحة العراقية وحدها .

 

وفي المحصلة ، فإن جرأة الوصاية في الخطاب الأمريكي تجاه العراق لا تعكس قوة أخلاقية ولا حرصاً حقيقياً على استقرار البلاد ، بقدر ما تكشف أزمة عميقة في منطق الهيمنة وازدواجية المعايير وتجاهل قواعد القانون الدولي .

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…