‫الرئيسية‬ مقالات والدي رجلٌ عاش للناس فرحل وترك في القلوب حياة 
مقالات - ‫‫‫‏‫3 أيام مضت‬

والدي رجلٌ عاش للناس فرحل وترك في القلوب حياة 

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

والدي رجلٌ عاش للناس فرحل وترك في القلوب حياة 

هناك رجالٌ يعيشون أعمارًا طويلة ولا يتركون أثرًا، وهناك رجالٌ يرحلون وتبقى سيرتهم حيّة في القلوب وكان والدي – رحمه الله – من أولئك الذين عاشوا للناس قبل أن يعيشوا لأنفسهم.

لم يكن رجل أضواء أو مناصب، لكنه كان صاحب رصيدٍ أعظم: رصيد الأخلاق.

 

عرفه الناس محبًا للخير، قريبًا من الجميع، لا يحمل في قلبه حقدًا على أحد، ولا يعرف طريقًا للعنصرية أو التصنيف بين الناس. كان يرى الناس بعين الإنسانية، لا بعين الأسماء أو الألوان أو الأوطان.

كان إذا حضر مجلسًا هدأت النفوس، وإذا تدخل في خلافٍ انتهى النزاع، وكان محل ثقة الجميع؛ لما عُرف عنه من حكمة، وأدبٍ جم، وصدرٍ واسع. وكان ممن تنطبق عليهم صفات أهل القلوب اللينة، الذين يألفون الناس ويألفهم الناس.

وأنا كلما تأملت سيرته تذكرت قول النبي ﷺ:«إنَّ أحبَّكم إليَّ وأقربَكم مني مجلسًا يومَ القيامةِ أحاسنُكم أخلاقًا، الموطَّؤون أكنافًا، الذين يألفون ويؤلفون…»وكان – رحمه الله – كذلك فعلًا؛ سهل الجانب، لين المعاملة، قريبًا من القلوب، بسيطًا في حديثه، عظيمًا في أثره.

لم يكن يعيش لنفسه، بل كان يسخّر وقته لخدمة الناس، يقضي الحاجات، ويصلح ذات البين، ويقف مع المحتاج. وكان يرى أن أعظم القربات إلى الله الإحسان إلى خلقه.

وقد شهد له بذلك إخوانه في المسجد؛ فقد عرفوه بابتسامته الصادقة، وكلمته الطيبة، وحرصه على الجماعة، وتعلقه بكتاب الله. وكان إخوانه من السعوديين يثنون عليه خيرًا، شهادة من عاشروه لا من سمعوا عنه.

وحينما توفاه الله، حضروا إلى العزاء أفرادًا وجماعات، ولم يكن حديثهم بكاءً عليه بقدر ما كان حديث امتنان له؛ كانوا يذكرون أخلاقه، وتواصله معهم، وابتسامته، ولطف منطقه، وقراءته للقرآن.

 

ومن المشاهد التي لا تغيب عن قلبي أني رأيته بعد غسله، وعلى وجهه ابتسامة هادئة لم تفارقه حتى بعد موته وكأنها رسالة طمأنينة، وكأنها خاتمة رجلٍ عاش مطمئن القلب.

 

وقد اختار الله له أن تكون وفاته في يومٍ من أعظم أيامه يوم الجمعة.وقد قال رسول الله ﷺ:

«ما من مسلمٍ يموت يومَ الجمعةِ أو ليلةَ الجمعةِ إلا وقاهُ اللهُ فتنةَ القبرِ»

كما نرجو أن يكون ممن نال أجر الابتلاء والصبر، فقد قال النبي ﷺ:

«المبطون شهيد»

 

ونسأل الله أن يكتب له أجر الشهادة، وأن يجعل ما أصابه رفعة له في الدرجات وتكفيرًا للسيئات.

 

لقد كان الوالد – رحمه الله – مدرسةً في الأخلاق قبل أن يكون سيرةً تُروى. علّمنا أن الإنسان يُعرف بأثره، لا بصوته وبما يتركه في القلوب، لا بما يملكه في يده.

رحل الجسد لكن بقي الأثر.

رحل الصوت لكن بقي الدعاء.

رحل الرجل لكن بقيت سيرته درسًا في الأخلاق.

 

اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واجعل قبره روضة من رياض الجنة.

 

اللهم اجمعنا به في دار كرامتك، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…