‫الرئيسية‬ مقالات حين تتحوّل الأسئلة إلى أدوات حصار…قراءة في مقال رشا عوض: «البرهان السرقات الثلاثة وأسئلة السلاح الكيميائي»
مقالات - ‫‫‫‏‫3 أيام مضت‬

حين تتحوّل الأسئلة إلى أدوات حصار…قراءة في مقال رشا عوض: «البرهان السرقات الثلاثة وأسئلة السلاح الكيميائي»

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

حين تتحوّل الأسئلة إلى أدوات حصار…قراءة في مقال رشا عوض: «البرهان السرقات الثلاثة وأسئلة السلاح الكيميائي»

اطلعتُ على مقال رشا عوض المعنون: «البرهان: السرقات الثلاثة وأسئلة السلاح الكيميائي»، فوجدته نصًا مشحونًا بالاتهام، متخمًا بالاستنتاج، فقيرًا في الدليل، وأقرب إلى المرافعة السياسية منه إلى المقال التحليلي الذي يُفترض فيه التوازن ووزن الوقائع بميزان واحد.

ولستُ هنا في مقام الدفاع عن الفريق عبد الفتاح البرهان، فالرجل يُحاسَب سياسيًا وتاريخيًا و لكن الخطير في مقال رشا ليس نقد البرهان، بل تطبيع التهمة الكبرى بلا برهان، واستدعاء سيناريو الحصار القديم بثوب جديد.

 

*أولًا: حين نُودي “الشعب” فلم يُجب*

 

كثيرًا ما يُستدعى “الشعب” في الخطاب السياسي بوصفه شاهدًا غائبًا، أو اسمًا يُكتب بالنيابة، لكن لحظات الحقيقة لا تُقاس بالكلمات، بل بما يحدث عندما يُطلب من هذا الشعب أن يتحرك بالفعل. فعقب إجراءات 25 أكتوبر، خرج محمد الفكي سليمان داعيًا الجماهير صراحةً إلى الخروج وحماية الثورة في مواجهة انقلاب البرهان وحميدتي فكانت الدعوة رسمية، مباشرة، ومحمّلة بكل الخطاب الثوري الممكن، لكن الشارع لم يستجب؛ لا مظاهرات، لا حشود، ولا حماية مزعومة للثورة.

وفي المقابل، تتجاهل الكاتبة عمدًا الخروج العفوي والحاشد في أم درمان – سوق صابرين – في يوم تأييد الجيش، حيث خرج الناس بلا دعوة حزبية ولا تعبئة نخبوية، دعمًا للمؤسسة العسكرية في مواجهة التمرد، لا استجابة لنداء سياسي ولا اصطفافًا خلف حزب.

فالشارع حين يخرج لا يُستدعى، وحين يصمت فهو يبعث برسالة لا يريد بعض الساسة سماعها.

 

*ثانيًا: سرقة اسم الشعب… أم فشل امتلاكه؟*

 

أخطر ما يمكن أن تُصاب به السياسة ليس القمع، بل الادعاء؛ لأن الادعاء لا يحتاج إلى تفويض، ولا يُمتحن، يكفيه أن يتكرر حتى يبدو وكأنه حقيقة، تتحدث رشا عن “الشعب” وكأنها تملك وكالة حصرية عنه، بينما الواقع يقول إن لا قحت ولا صمود نالت تفويضًا انتخابيًا واحدًا، وحكومة حمدوك تم تعينها عبر الجيش وليس صنادق الانتخابات ، بل إن خالد سلك أقرّ صراحة بأنهم لا يستطيعون الوصول إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع، ولذلك راهنوا على الفترات الانتقالية القصيرة، وتدويل الصراع، والضغط الخارجي.وما أشبه اليوم بالبارحة.

 

*ثالثًا: المال العام سؤال يُطرح في اتجاه واحد*

 

وحين يُفتح ملف المال العام بانتقائية، لا يكون الهدف هو العدالة، بل حماية رواية سياسية بعينها.

تتهم الكاتبة البرهان بإنفاق مال الشعب على السلاح، وكأن الدولة في زمن سلم لا حرب، لكنها تلوذ بالصمت عن ملف لا يقل خطورة ملف أموال لجنة التمكين في عهد قحت.وقد صرّح وزراء مالية في حكومات ما بعد الثورة – وهم:

إبراهيم البدوي و جبريل إبراهيم

وهبة محمد علي بأنهم لم يستلموا جنيهًا واحدًا من تلك الأموال المصادرة باسم الشعب.

فالسؤال الذي لا يُطرح أين ذهبت تلك الأموال؟ ومن الذي أنفقها؟ ولماذا لا تُفتح هذه الصفحة بالحماسة نفسها؟.

 

*رابعًا: التمويل الأجنبي كما صرّحتِ رشا*

 

لا معنى للحديث عن السيادة إذا جرى تجاهل الطرق التي تُنتهك عبرها، ولا قيمة لخطاب وطني يتغاضى عن الأسئلة حين تمسّ معسكره.

ومن اللافت أن رشا عوض نفسها سبق أن صرّحت في مقابلات صحفية بأن قوى قحت/صمود تتلقى دعمًا وتمويلًا من منظمات أجنبية وهذا التمويل للاسف لم يُوجَّه لرفع معاناة المواطن، بل لتمويل أنشطة سياسية وإعلامية، ولوبيات ضغط خارجية فكيف يُدان إنفاق الدولة على الدفاع في زمن حرب، ولا يُدان تمويل سياسي خارجي يُستخدم للضغط على السودان ومحاصرته وتجويعه؟

 

*خامسًا: السلاح الكيميائي… حين تُستخدم التهمة بدل الدليل*

 

بعض الاتهامات، مهما بدا ظاهرها أخلاقيًا، تكون مدمّرة في أثرها إذا لم تُبنَ على علم، لأن تسييس التهمة قد يكون أخطر من التهمة نفسها.

وأخطر ما في مقال رشا هو الترويج لتهمة استخدام السلاح الكيميائي دون تقرير فني معتمد، ودون جهة محايدة، ودون أثر بيئي أو صحي مثبت علميًا.

بل إن الميليشيا المتمردة نفسها لم تدّعِ ذلك وهنا لا يمكن تجاوز ما فعله عمر قمر الدين حين صرّح علنًا بأنه خاطب الكونغرس الأمريكي لمحاصرة نظام الانقاذ.

وللاسف لم يسقط النظام يومها، لكن الشعب وحده دفع ثمن الحصار. وعلى خطى عمر قمر الدين يسير خالد سلك وما أشبه اليوم بالبارحة.

 

ومما يجدر فهمه ليست المشكلة في طرح الأسئلة، بل في توظيفها السياسي. وليست الخيانة في اختلاف الرأي، بل في استدعاء الخارج لخنق الداخل.

ومن يجعل الحصار وسيلة للوصول إلى الحكم، ومن يقدّم الأجندة الخارجية على المصلحة الوطنية،

ومن يروّج اتهامات كبرى بلا دليل

فهو لا يمارس معارضة وطنية،

بل يضع نفسه – موضوعيًا – في منطقة الخطر على الدولة.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…