‫الرئيسية‬ مقالات الجيش بجنوب كردفان: انتصارات استراتيجية
مقالات - ‫‫‫‏‫14 ساعة مضت‬

الجيش بجنوب كردفان: انتصارات استراتيجية

من حروفي خالد الفكي سليمان

الجيش بجنوب كردفان: انتصارات استراتيجية

لم يكن فك الحصار عن مدينتي الدلنج وكادوقلي حدثًا عسكريًا عابرًا، بل محطة استراتيجية فارقة أعادت ترتيب موازين القوة في جنوب كردفان، وأطلقت موجة من التأثيرات المتشابكة تمتد من الأمن إلى المجتمع والاقتصاد، وصولًا إلى عمق المسرح العملياتي في كردفان الكبرى.

 

نجحت القوات المسلحة والقوات الموالية لها في كسر طوق العزلة عن المدينتين، مؤكدة قدرتها على الانتقال من وضعية الدفاع إلى الهجوم المنظّم، واستعادة زمام المبادرة في واحد من أكثر المسارح تعقيدًا. ويكتسب هذا الإنجاز بُعده الأهم مع تأمين طريق الأبيض–الدلنج–كادوقلي، الذي لا يمثّل مجرد شريان مواصلات، بل محورًا استراتيجيًا يربط شمال وجنوب كردفان، ويمتد تأثيره إلى النيل الأبيض والعاصمة الخرطوم.

 

أمنيًا، يعني فتح الطريق إعادة تدفق الإمدادات الإنسانية والتجارية، وتسهيل حركة القوات، وتأمين أطول خط إمداد للجيش في هذا القطاع الحيوي، وهو ما يعزّز القدرة على تثبيت المكاسب الميدانية، ويدعم الاستدامة العملياتية في مواجهة التحديات المتحركة. اجتماعيًا، تعود القرى والأسواق والمدارس إلى نبض الحياة، وتستعيد المجتمعات المحلية إحساسها بالأمان بعد شهور من القلق والترقّب. أما اقتصاديًا، فإن انسياب السلع وخفض كلفة النقل ينعكس مباشرة على الأسعار، ويعيد ربط المنتجين بالأسواق، فاتحًا نافذة لتعافٍ تدريجي طال انتظاره.

 

دخول الجيش إلى الدلنج وكادوقلي حمل رسائل أبعد من حدود المدينتين؛ فقد أعاد ضبط مسار العمليات في ولاية غرب كردفان، ومهّد لتقدّم محسوب نحو دارفور الكبرى، ضمن رؤية متدرّجة تقوم على تأمين المحاور، وتفكيك مراكز الضغط، ثم التمدّد على أسس ثابتة.

في المقابل، تتكشّف ملامح التوهان والشتات داخل صفوف ميليشيات آل دقلو المتمرّدة، مع خسائر بشرية معتبرة، وتراجع واضح في العتاد والروح المعنوية. تتسارع الانهيارات، وتزداد حالات الإحباط واليأس وسط المتحرّكات في كردفان الكبرى، بينما يضيّق الجيش الخناق، محاصرًا المليشيات في عقر دارها ومراكز حواضنها الاجتماعية، التي باتت تطالب بالأمن والاستقرار من الجيش القومي.

 

إن ما تحقّق في جنوب كردفان ليس انتصارًا ميدانيًا فحسب، بل إعادة تموضع استراتيجية تُرسّخ معادلة جديدة: أمن الطرق هو مفتاح الاستقرار، واستعادة المبادرة هي بوابة السلام الممكن. وفي هذا المسار، تتقدّم الدولة بخطوات واثقة نحو تثبيت هيبتها، وفتح أفق التعافي الوطني.

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…