ادعموا حكومة الأمل .. من أجل استعادة الدولة والسيادة
السفير.رشاد فراج الطيب

تولّى الدكتور كامل إدريس رئاسة الوزراء في لحظة وطنية استثنائية ، تتكاثف فيها أزمات الحرب مع انهيار مؤسسات الدولة ، وتتشابك الضغوط الداخلية بالتدخلات الخارجية الغاشمة ، في سياق بالغ الحساسية لا يحتمل التبسيط ولا المزايدات .
ومع ذلك ، فإن حكومة الأمل التي يقودها لم تأتِ لإدارة الخراب أو تجميل الواقع ، بل لمحاولة شاقة لإعادة الإمساك بناصية الدولة والجهاز التنفيذي ، وفتح أفق سياسي ينهي الحرب ويستعيد المسار الوطني ويستعيد الدولة .
منذ توليه المنصب ، شكّل د. كامل إدريس اختراقاً مهماً في المشهد المدني ، إذ قطع تعيينه الطريق على محاولات إعادة إنتاج ذات الوجوه التي احتكرت تمثيل الساحة المدنية منذ إسقاط نظام الرئيس البشير ، وفكّ احتكاراً طال أمده كان قد أضر بتنوّع العمل المدني وصدقيته وارتهانه للاجندة الخارجية .
لقد مثّل حضور د. ادريس انتقالاً من حالة الاصطفاف الضيق إلى محاولة توسيع المجال السياسي المدني والوطني ، وإعادة الاعتبار لفكرة الدولة بوصفها إطاراً جامعاً ، لا غنيمة سياسية .
ويعمل رئيس الوزراء وحكومته في ظروف داخلية وخارجية معقدة وضاغطة ، تفوق في حجمها وقدرتها طاقة أي حكومة انتقالية .
نقص حاد في الموارد ، ونقص في مساحات الأمن ، وضعف الدعم السياسي المطلوب ، وانكفاء الأحزاب عن القيام بأدوارها المرجوة في الإسناد ، وضبابية الرؤية المحيطة بالمسار الانتقالي ، كلها عوامل جعلت من إدارة الجهاز التنفيذي للدولة مهمة شاقة أقرب إلى السير في حقل ألغام .
وإلى جانب ذلك ، تواجه حكومة ادريس استهدافاً غير مبرر ، مع وجود عناصر معادية وطابور مازال يعمل في الداخل علي حد تصريح متكرر منه ومن بعض رجال الدولة ايضا ، ينشط في تعطيل الأداء ويبث الإرباك ويحاول تقويض الثقة ويعمل علي الاغتيال المعنوي والسياسي .
ومع هذه التحديات ، سجّلت حكومة الأمل نجاحات لا يجوز القفز فوقها أو التقليل من شأنها .
فقد قدّمت الحكومة رؤية سياسية واضحة ومتكاملة لإنهاء الحرب ، تم رفعها إلى الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ومؤسساته ، حيث وجدت ترحيباً وتفاعلاً إيجابياً إقليميا و دوليا مشهودا .
هذه الخطوة أعادت السودان إلى موقع الفاعل المبادر لا المفعول به ، وقدّمت طرحاً وطنياً بديلاً عن الوصاية والمبادرات المشبوهة والمفروضة من الخارج .
وصححت الغبش الذي ران قصدا علي سردية وطبيعة الحرب والعدوان علي بلادنا.
وفي الداخل ، ورغم شحّ الإمكانات واستمرار الحرب ، نجحت الحكومة في توسيع نطاق الخدمات الأساسية في مجالات الصحة والمياه والكهرباء والاتصالات وعودة المدارس والجامعات لرسالتها ، وعودة مقدرة وتدريجية متزايدة لمؤسسات الخدمة المدنية والحكومية وهي قطاعات ظلّت لفترة طويلة رهينة الانهيار وتأثير الحرب .
كما أن عودة الحكومة إلى الخرطوم لم تكن مجرد خطوة إدارية ، بل رسالة سيادية واضحة مفادها أن الدولة لا تُدار من خارج عاصمتها ، وأن معركة استعادة الوطن تبدأ من التمسك برموزه ومراكزه السيادية .
غير أن هذه الجهود قوبلت بحملات تنمّر سياسي وتصيد أخطاء ، تتعامل مع كل عثرة وكأنها مبرر كافٍ لإسقاط الحكومة .
إن هذا السلوك ، في ظرف السودان الراهن ، لا يخدم قضية استعادة الدولة ولا يعزز السيادة ولا يدعم الأمن ولايؤمن انتصارات الجيش ، بل يصب مباشرة في مصلحة أعداء السودان في الداخل والخارج ، الذين يرون في إرباك حكومة د. كامل وسيلة لقطع الطريق أمام أي تحول مدني جاد ، وإبقاء البلاد في دائرة الفوضى والاستنزاف .
في الظروف العادية ، وفي الدول المستقرة ، يكون السعي لإسقاط الحكومات بسبب أخطاء صغيرة أو إخفاقات جزئية أو شخصية أمراً مفهوماً ومشروعاً ضمن قواعد العمل الديمقراطي .
أما في السودان اليوم ، فنحن أمام حالة استثناء تاريخية ، وحكومة تعمل بالتكليف وفاء للواجب الوطني في ظل حرب وعدوان وانهيار كبير وغير مسبوق .
هذا الواقع يفرض قدراً من الصبر الوطني ، لا صبر التواطؤ او التربص ، بل صبر الدعم الواعي والتشجيع والنقد البنّاء الرشيد ، والتمييز بين التقويم المسؤول والهدم المجاني الذي لايبالي بالعواقب .
إن إرباك حكومة الأمل أو السعي لإسقاطها او اغتيالها في هذا التوقيت لا يعني تصحيح المسار ، بل فتح الباب أمام فراغ غير مطلوب ، وفوضى غير مسموح بها ، وتراجع في فرص إنهاء الحرب واستعادة الدولة .
ومن هنا ، فإن دعم حكومة الأمل ليس اصطفافاً شخصياً ولا تفويضاً مطلقاً ، بل موقف وطني يدرك حساسية اللحظة ، ويقدّم مصلحة السودان على حساب التقديرات الضيقة والمحدودة .
وعلي الحكومة ان تسابق الزمن مع بذل المزيد من الجهد ، والتصويب نحو استعادة الأمن والخدمات الأساسية وتطبيع الحياة بما يؤدي الي عودة المواطنين من النزوح والمهاجر الي بيوتهم واعمالهم ومصالحهم في أقصر وقت وباسرع وتيرة من الإنجاز ، وتجنب الأنشطة التي تجلب النقد الهدام ،
مع عدم الالتفات إلي أصوات المتربصين والمحبطين وأصحاب الغرض والنظر القصير .
وتبقى لأهل الصحافة والإعلام ، وأهل السياسة مسؤولية مضاعفة في هذه المرحلة أن يترفعا عن الصغائر وتسجيل الاهداف في مرمي الوطن ، وأن يمارسا دورهما الحقيقي في المساءلة والتقويم والتنبيه والتوجيه ، لا في التشهير والإرباك ،
وأن يساندا الحكومة بالارشاد البنّاء والدعم المخلص ، لا بالتحريض والتجريح والتهكم .
فالسودان اليوم لا يحتمل ترف الصراعات الصغيرة ، بل يحتاج إلى حد أدنى من التماسك الوطني حتى يعبر هذه المرحلة العصيبة ويستعيد عافيته .
وان نجعل جميعا هدف من استعادة الدولة ، وإنهاء الحرب ، وحماية السيادة الوطنية ، واسناد الجيش البوصلة التي لا تحيد .
حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)
ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…





