‫الرئيسية‬ مقالات سقوط الاقنعة
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

سقوط الاقنعة

نقطةإرتكاز د.جادالله فضل المولي

سقوط الاقنعة

لايصلح العطار ما افسده الدهر، مثل قديم يلخص حال من يتجمل بعد أن انكشف المستور. هذا المثل ينطبق اليوم على أحزاب الحرية والتغيير التي رفعت شعارات الحرية والسلام والعدالة، لكنها سرعان ما تحولت إلى واجهة براقة تخفي وراءها مصالح ضيقة وحسابات إقليمية، حتى صار الوطن نفسه رهينة لهذه الشعارات الجوفاء.

لقد عرف الشعب السوداني حقيقة هذه القوى التي تتزين بالكلمات الرنانة، بينما في الواقع تضع مصالح الخارج فوق مصلحة الوطن. خطاب رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك أمام حشد من أنصاره، حين قال إن الإمارات تواجه تيار الإسلام السياسي في السودان، يكشف بوضوح أن الدم السوداني أصبح ورقة في صراع إقليمي. وكأن مواجهة تيار سياسي تبرر قتل السودانيين أو اختزال الشعب كله في اتجاه واحد. هذا التصريح لم يكن مجرد رأي، بل إقرار ضمني بأن حياة السودانيين تُساوم عليها في سوق المصالح الدولية.

إن قوى الحرية والتغيير لم تكن يوماً مشروعاً وطنياً خالصاً، بل كانت أداة لتصفية حسابات إقليمية ودولية. فهي لم تتردد في شيطنة كل من يعارضها، ولم تتورع عن استخدام لغة الإقصاء والتخوين، حتى صار الانتماء للوطن مرهوناً بالانتماء إليها. لكن الوطن أكبر من أي تيار سياسي وأكبر من أي تحالف هش، والوطن خط أحمر لا يُساوم عليه ولا يُباع في مزاد السياسة.

اليوم، السودان يواجه أخطر تحدياته، ليس فقط بسبب الحرب والدمار، بل بسبب ضياع البوصلة الوطنية. فحين تتحول الثورة إلى مجرد شعار، وحين يصبح الدم السوداني مادة للمساومة، وحين تُختزل الوطنية في الولاء لتحالف هش، عندها يكون الوطن في خطر حقيقي. المطلوب ليس مزيداً من الانقسام ولا مزيداً من التبعية للخارج، بل استعادة روح الثورة الحقيقية ان كان في الاصل ثورة كمايدعي انها خرجت من أجل الحرية والسلام والعدالة، لا من أجل أن تتحول إلى أداة في يد قوى تبحث عن مصالحها الخاصة.

لقد سقطت الأقنعة، وانكشف المستور، ولم يعد الشعب السوداني بحاجة إلى من يفسر له حقيقة من يتجملون بالشعارات. الشعب اليوم يرى بعينه ويسمع بأذنه، ويعرف أن من يرفع شعار “لا للحرب” بينما يغض الطرف عن الجرائم، ومن يتحدث عن الحرية بينما يمارس الإقصاء، ومن يتحدث عن العدالة بينما يساوم على الدم السوداني، ليس سوى وجه آخر للزيف.

الوطن خط أحمر، والدم السوداني ليس ورقة في صراع إقليمي ولا مادة للمساومة. السودان ليس تابعاً لأحد، ولا يُختزل في تيار، ولا يُباع في سوق المصالح. لقد آن الأوان ليقول الشعب كلمته الحاسمة: السودان للسودانيين، لا للمتاجرين بالشعارات ولا للمتجملين بالزيف.
meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

حين تتعدد السرديات… يُستلب الوعي (٢–٣)

ليس أخطر من غياب السردية الوطنية، إلا اختطافها. فالدولة التي لا تكتب سرديتها بنفسها، لا تظ…