إرهاب الجياع: حين يصبح الرغيف هدفاً عسكرياً
شيء للوطن م.صلاح غريبة

Ghariba2013@gmail.com
لم يعد الصراع الدائر اليوم مجرد مواجهة عسكرية محصورة في خنادق القتال أو صراع على مقار سيادية، بل تحول في الآونة الأخيرة إلى حرب وجودية قذرة تستهدف “الأمعاء الخاوية”، حيث يُستخدم التجويع سلاحاً ممنهجاً لتركيع المدنيين وإذلالهم. إن الهجوم الغاشم الذي استهدف شاحنات برنامج الغذاء العالمي في مناطق “شمال كردفان” ليس مجرد اعتداء عابر، بل هو جريمة حرب مكتملة الأركان تتحدى الضمير الإنساني والقانون الدولي، وتكشف عن وجه كالح لجهات لم تعد تفرق بين الهدف العسكري وبين لقمة عيش النازح المشرد.
إن استهداف شاحنات تحمل القمح والدواء لأطفال ونساء ومرضى في مناطق النزوح، يضعنا أمام توصيف دقيق لمن يتجاوز حدود البشرية ويسعى لقطع أرزاق الناس وترويع امنهم. فمن يقطع الطريق أمام قوافل الإغاثة، إنما يمارس أقصى درجات “الإفساد في الأرض”، وهو سلوك بربري يهدف إلى تجريد الإنسان من أبسط حقوقه في البقاء. هذا الاستهداف الممنهج لقوت العزل يعكس عجزاً أخلاقياً فادحاً، حيث يرى المعتدي في جوع الأطفال وسيلة لفرض واقع سياسي أو عسكري جديد، متناسياً أن الشعوب لا تنكسر بسلب رغيفها، بل تزداد إصراراً على استرداد كرامتها.
الاعتداءات التي طالت قوافل الإغاثة بـ “المسيرات” في مناطق مثل “الله كريم” ومحيطها، لم تكن عفوية الخاطر، بل هي جزء من مخطط خبيث يهدف إلى عزل المواطن عن مصادر بقائه. حين يتم قصف الأعيان المدنية ومرافق الخدمات وشاحنات المنظمات الدولية بدم بارد، فإن الرسالة المراد إيصالها للمواطن السوداني هي: “لا أمان لك حتى في لقمة عيشك”. إن تحويل الطرق الرابطة بين المدن إلى مصائد للمساعدات الإنسانية هو إرهاب غذائي يسعى لفرض حصار غير معلن على المدنيين لكسر إرادتهم الوطنية وتلاحمهم مع مؤسسات دولتهم.
إن القانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف واضحة تماماً في تجريم استهداف العاملين في الحقل الإنساني أو قوافل الإغاثة. ما حدث في شمال كردفان يتجاوز كونه خرقاً لبروتوكول عسكري؛ إنه اعتداء صارخ على المجتمع الدولي بأسره وعلى القيم الإنسانية المشتركة. وهنا تبرز تساؤلات ملحة حول دور الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية:
إلى متى ستكتفي هذه المنظمات ببيانات “القلق” و”الإدانة” الخجولة؟
ألا تستحق هذه الجرائم تصنيف مرتكبيها كجماعات إرهابية تهدد الأمن والسلم الدوليين؟
إن الصمت تجاه استهداف قوافل الغذاء يُفسر من قبل الجناة كضوء أخضر لمواصلة مخططات الإذلال والتنكيل، مما يتطلب اتخاذ مواقف حاسمة تضمن ملاحقة القيادات المسؤولة عن هذه الجرائم وفرض عقوبات رادعة.
يمر السودان اليوم بمرحلة مفصلية، يتضح فيها بجلاء من يقف مع المواطن لحمايته، ومن يستهدفه في لقمة عيشه سعياً لهدم كيانه. إن دماء الذين سقطوا وهم يحرسون أو ينتظرون هذه القوافل لن تذهب سدى، وستظل صرخة المظلومين تلاحق المفسدين حتى تتحقق العدالة. إن إرادة الشعب التي تلتف اليوم حول قواتها المسلحة هي الضمانة الوحيدة لكسر “سلاح الجوع” واستعادة الوطن من براثن الإرهاب والترويع.
مفتاح المدي: (حكاوي من زمن الحرب..)
أجرنا وأجركم على الله، في خضمّ المحن، وحين تشتدّ ألسنة اللهب، تبرز معادن البشر، وتتجلّى أص…





