الحاجة إلى نظام عربي جديد .. في زمن التحولات الإقليمية والدولية
بقلم السفير/ رشاد فراج الطيب يكتب في التحولات الدولية

لم تكن الدعوة إلى نظام عربي فاعل يومًا ترفًا فكريًا أو حنينًا إلى شعارات الماضي ، بل ظلت على الدوام استجابة موضوعية لواقع إقليمي شديد الاضطراب ، تحكمه موازين قوة مختلة ، وتتنازعه تدخلات خارجية لا تتوقف .
غير أن التحولات الإقليمية والدولية المتسارعة في السنوات الأخيرة أعادت طرح السؤال العربي المؤجل بحدة غير مسبوقة ، هل لا يزال بالإمكان الاستمرار في إدارة الإقليم بذات الأدوات القديمة ، أم أن اللحظة التاريخية تفرض نظامًا عربيًا جديدًا ، أكثر واقعية وقدرة على الفعل ؟
لقد تآكل النظام العربي التقليدي مع مرور الوقت ، لا بفعل الضغوط الخارجية وحدها ، بل نتيجة الانقسامات الداخلية ، وغياب الإرادة الجماعية ، وتحول مؤسساته إلى أطر شكلية عاجزة عن إدارة الخلافات أو حماية المصالح المشتركة .
وفي ظل هذا الفراغ ، أُعيد تشكيل الإقليم وفق أولويات قوى غير عربية ، استطاعت أن تملأ المساحة الخالية ، وتفرض وقائع سياسية وأمنية بات العرب يتعاملون معها كأمر واقع لا كخطر استراتيجي .
وفي قلب هذا التآكل ، كان مفهوم الأمن الجماعي العربي هو الخاسر الأكبر .
فهذا المفهوم ، الذي شكّل في لحظة ما أحد أعمدة النظام العربي ، لم يكن يومًا شعارًا إنشائيًا ، بل ضرورة وجودية في منطقة تقوم على خطوط تماس جيوسياسية بالغة الحساسية .
غير أن غيابه التدريجي فتح الباب أمام اختراقات واسعة ، وجعل كل دولة عربية تواجه التهديدات منفردة ، بلا عمق استراتيجي عربي يحميها أو يرفع كلفة استهدافها .
وقد أدرك المشروع الصهيوني هذه الحقيقة مبكرًا ، فعمل بمنهجية طويلة النفس على تفكيك منظومة الأمن العربي ، لا عبر التفوق العسكري وحده ، بل من خلال تعميق الانقسامات العربية ، واستثمار الفجوات السياسية ، وبناء شبكة حماية أمريكية – غربية وفّرت لإسرائيل هامش حركة واسعًا ، وحررتها عمليًا من أي خشية من ردع عربي منظم .
وهكذا أصبح الاستفراد بكل دولة عربية ، وانتهاك الأجواء والحدود ، وتوسيع ساحات الاشتباك ، أمرًا ممكنًا بلا ثمن يُذكر .
ومع تصاعد السيولة الإقليمية ، واتساع بؤر الصراع ، نشهد اليوم تحولًا واضحًا في العقيدة الأمنية الإسرائيلية نحو توظيف القوة المفتوحة والفوضى الإقليمية لفرض وقائع جديدة ، مستندة إلى دعم أمريكي صريح ، وإلى إدراك عميق بأن البيئة العربية المنقسمة لا تملك أدوات رد جماعي فعّال .
في المقابل ، تبدو مؤسسات الأمن القومي العربي عاجزة عن فرض قواعد اشتباك ، أو حتى عن إنتاج موقف سياسي موحد يحدّ من هذا التمدد أو يرفع كلفته .
وفي ظل هذا الانكشاف ، لجأت دول عربية عديدة إلى بناء تحالفات ثنائية مع الولايات المتحدة أو قوى دولية أخرى ، بحثًا عن مظلات حماية في مواجهة المخاطر المتصاعدة .
غير أن التجربة أثبتت أن هذه التحالفات ، مهما بلغت درجة عمقها ، لا يمكن أن تعوّض غياب الأمن الجماعي العربي .
فهي قد توفر طمأنينة مؤقتة ، لكنها لا تمنح ضمانًا استراتيجيًا مستدامًا ، ولا تمنع الاختراقات النوعية ، خاصة حين تتعارض مصالح الحليف الخارجي مع أولويات الدولة العربية المعنية.
فالالتزامات الأمريكية ، على سبيل المثال ، ليست التزامات ثابتة أو أخلاقية ، بل تحكمها حسابات المصالح وتوازنات القوى ، وتتغير بتغير الإدارات والبيئات الاستراتيجية.
وقد أظهرت تجارب متعددة أن هذه التحالفات تتراجع فعاليتها حين يكون الطرف الآخر هو إسرائيل ، أو حين لا تكون مصلحة الحليف العربي في صدارة الحسابات .
وحتى الحالات التي نجحت فيها بعض الدول في تفادي الاستهداف لم تكن نتاج ضمان دفاعي مطلق ، بقدر ما كانت ثمرة إدارة سياسية ودبلوماسية متوازنة ، وتقدير دقيق لتعقيدات الإقليم .
والمفارقة اللافتة أن أوروبا نفسها ، بكل ما تمتلكه من قوة اقتصادية وعسكرية ، بدأت بعد حرب أوكرانيا تشكك في قدرة الولايات المتحدة على توفير مظلة أمنية دائمة .
ومع انتقال ثقل الاهتمام الأمريكي نحو آسيا والمحيط الهادئ ، أدركت العواصم الأوروبية مخاطر الاعتماد المطلق على واشنطن ، وشرعت في البحث عن قدر أكبر من الاستقلالية الدفاعية .
وإذا كانت أوروبا ، بكل أدواتها ، تشعر بهذا القلق ، فكيف بالدول العربية التي تواجه تحديات أمنية مركبة وهشاشة سياسية في بعض ساحاتها ؟
من هنا ، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ، هل يمكن للعرب العودة إلى الأمن الجماعي؟
بل هو هل لديهم بديل آخر أصلًا ؟
فالنظام العربي بصيغته الحالية أثبت عجزه ، والتحالفات الثنائية أثبتت محدوديتها ، والفراغ الاستراتيجي يزداد اتساعًا .
وفي عالم يتجه نحو التكتلات الكبرى ، يصبح استمرار التفكك العربي وصفة مؤكدة لمزيد من التهميش والانكشاف .
إن النظام العربي الجديد المنشود لا يعني وحدة اندماجية مثالية ، ولا قطيعة مع العالم ، بل إطارًا عقلانيًا واقعيًا ، يعيد الاعتبار لمفهوم الأمن الجماعي بوصفه حجر الزاوية .
نظام يقوم على آليات إلزامية داخل الجامعة العربية ، ومنظومات دفاعية وتنسيقية مشتركة ، وتكامل اقتصادي مرحلي ، واستقلال نسبي في القرار ، مع شراكات دولية متوازنة تُكمل القرار العربي ولا تحل محله .
لقد نجحت القوى المناوئة في تقويض الأمن الجماعي العربي لأنها وجدت بيئة منقسمة ، ونظامًا بلا أدوات تنفيذية ، وإقليمًا اعتمد على الخارج أكثر من اعتماده على ذاته .
واليوم ، ومع اتساع نطاق الاستهداف ، لا يملك العرب ترف الانتظار أو الاحتماء بوعود خارجية سرعان ما تتبخر عند أول اختبار .
فالأمن الجماعي العربي لم يعد خيارًا سياسيًا يمكن تأجيله ، بل شرط بقاء في لحظة تاريخية فارقة .
وإذا لم تُدرك العواصم العربية هذه الحقيقة الآن ، فستجد نفسها لاحقًا في مواجهة العاصفة فرادى ، في إقليم يُعاد تشكيله دونها ، وبكلفة أعلى مما كان يمكن تفاديه لو أُحسن التقاط اللحظة .
مدرسة الصداقة السودانية بالقاهرة تحدد فترة تسجيل الشهادة السودانية
القاهرة : ارام خلف الله مصطفي اعلن مدير مدرسة الصداقة السودانية د.عبد المحمود النور ان الي…





