‫الرئيسية‬ مقالات السودان والإمارات.. من بناء النهضة إلى انهيار الأخوّة
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

السودان والإمارات.. من بناء النهضة إلى انهيار الأخوّة

نقطةإرتكاز  د.جادالله فضل المولي

السودان والإمارات.. من بناء النهضة إلى انهيار الأخوّة

منذ الثاني من سبتمبر من العام ألف وتسعمائة وواحد وسبعون يوم إعلان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، كان السودان حاضراً في قلب مشروع النهضة، شريكاً أصيلاً في تأسيس المؤسسات، ومساهمًا بموارده البشرية وخبراته العلمية والزراعية، حتى صار جزءاً لا يتجزأ من قصة نجاح الإمارات. لقد قدّم السودان عقولاً وأطباءً ومعلّمين ومهندسين، وأسهم في بناء التعليم والصحة والبنية التحتية، وكان سنداً في مشاريع الأمن الغذائي، حتى غدا اسمه مقترناً بالنهضة الخليجية. غير أنّ هذه العلاقة التي امتدت لأكثر من نصف قرن، انتهت بمشهد مأساوي في الخامس عشر من أبريل من العام ألفين وثلاثة وعشرون، حين اندلعت الحرب في السودان، لتتحول أرض العطاء إلى ساحة دمار وانقسام، وكأن التاريخ يصفع السودان صفعةً موجعةً بعد عقودٍ من الوفاء.

 

لقد كان السودان ركيزةً في نهضة الإمارات، حيث أسهم معلموه وأطباؤه في وضع اللبنات الأولى للتعليم والصحة وشارك مهندسوه في مشاريع الطرق والبنية التحتية، فيما كانت أراضيه الزراعية مسرحاً لاستثمارات ضخمة في الأمن الغذائي، معتبرةً السودان سلة غذاء العالم العربي. كما لعب الأدباء والصحفيون السودانيون دوراً بارزاً في إثراء المشهد الثقافي والإعلامي الإماراتي، ليجسدوا معنى الأخوّة والتكامل. ومن بين الأسماء التي تركت بصمةً واضحةً في الإمارات،علي سبيل المثال كمال حمزة أبو المعالي الذي ساهم في تطوير البنية التجارية، وصالح فرح الذي كان من أوائل الإداريين السودانيين في المؤسسات الحكومية الإماراتية، والبروفيسور علي إبراهيم شمه الذي أسهم في تطوير التعليم العالي، والمهندس أحمد عوض الكريم الذي شارك في مشاريع البنية التحتية، والدكتور عوض الحسن النور الذي ترك أثراً في المجال القضائي والتعليمي. هؤلاء وغيرهم جسّدوا معنى الشراكة الحقيقية، حيث كان السودان حاضراً في كل زاويةٍ من زوايا النهضة الإماراتية.

 

لكن المفارقة المؤلمة أنّ السودان، الذي قدّم العقول والعرق والوفاء، وجد نفسه في الخامس عشر من أبريل من العام ألفين وثلاثة وعشرون ممزقاً، غارقاً في حربٍ احرقت الحرث والنسل سببها الإمارات لتتحول أرضه إلى ساحة دمارٍ وانقسام. إنها صفعةً تاريخيةً قاسيةً، إذ كيف يمكن لبلدٍ كان يوماً ما شريكاً في بناء نهضة الخليج أن يُترك اليوم يواجه التمزق والانهيار؟ وكيف يمكن أن تتحول أرض العطاء إلى أرض صراعٍ وخرابٍ؟ إن الإجابة ليست سهلةً، لكنها تفتح الباب أمام مراجعةٍ عميقةٍ للتاريخ، وتدعو إلى التفكير في معنى النهضة، ومعنى الوفاء، ومعنى أن يكون العطاء بلا حدود ثم يُقابل بالخذلان.

 

إن قصة السودان والإمارات ليست مجرد علاقةٍ بين دولتين، بل هي حكايةً إنسانيةً عن الأخوّة والعطاء والوفاء. لكنها أيضاً حكايةً عن قسوة التاريخ، حين يصفع الأوطان التي ساهمت يوماً في بناء غيرها، ويحوّلها إلى ساحاتٍ للصراع والدمار. إنها مأساةً تثير الحزن والأسى، لكنها أيضاً دعوةً للتأمل في مصير الأوطان، وفي كيف يمكن أن تنهار الأخوّة حين تغيب العدالة، وكيف يمكن أن يُهدم البناء الذي شارك فيه الجميع، ليبقى السؤال معلّقاً: هل كان العطاء بلا مقابل، أم أنّ التاريخ لا يعترف بالوفاء حين تحكمه المصالح؟.

meehad74@gmail.com

‫شاهد أيضًا‬

حركة المتمرد الحلو والتآكل من الداخل

10 فبراير 2026م   ظل المتمرد عبدالعزيز الحلو متمترساً في خانة العداء للوطن تحت غطاء ا…