‫الرئيسية‬ مقالات جيفري والانحطاط الأخلاقي: قراءة تحليلية في تحولات القيم المعاصرة
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

جيفري والانحطاط الأخلاقي: قراءة تحليلية في تحولات القيم المعاصرة

مسارات  د.نجلاء حسين المكابرابي 

جيفري والانحطاط الأخلاقي: قراءة تحليلية في تحولات القيم المعاصرة

في خضم التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم، برزت أطروحات فكرية تناقش ما يُسمّى بـ«الانحطاط الأخلاقي» بوصفه ظاهرة مرتبطة بالحداثة والعولمة. ومن بين الأصوات التي تناولت هذا الموضوع الفيلسوف البريطاني جيفري وارنر، الذي قدّم قراءة نقدية للتحولات القيمية في المجتمعات الحديثة، رابطًا بينها وبين تفكك المرجعيات التقليدية وصعود الفردانية.

أولًا: مفهوم الانحطاط الأخلاقي بين الفلسفة والاجتماع

الانحطاط الأخلاقي ليس مصطلحًا علميًا دقيقًا بقدر ما هو توصيف معياري يُطلق على حالة يُعتقد فيها أن منظومة القيم السائدة تتراجع أو تتبدل بصورة سلبية. ويتجلى ذلك في:

ضعف الالتزام بالقيم الدينية والاجتماعية.

تغليب النزعة الفردية على روح الجماعة.

تحوّل العلاقات الإنسانية إلى علاقات نفعية.

انتشار أنماط استهلاكية تُعيد تعريف النجاح والسعادة.

غير أن هذا المفهوم يظل نسبيًا؛ فما يُعد انحطاطًا في ثقافة ما قد يُنظر إليه كتطور أو تحرر في ثقافة أخرى.

ثانيًا: أطروحة جيفري في نقد الحداثة

يرى جيفري أن الحداثة، رغم ما قدمته من تقدم علمي وتقني، أسهمت في إضعاف البُنى الأخلاقية التقليدية. فهو يشير إلى ثلاثة تحولات رئيسية:

تآكل المرجعيات الكبرى: حيث تراجع تأثير الدين والأسرة الممتدة والمؤسسات الاجتماعية التقليدية.

صعود الفردانية المتطرفة: التي تجعل المصلحة الشخصية معيارًا أعلى من الصالح العام.

تسليع القيم عبر الإعلام الرقمي: إذ تتحول الأخلاق إلى شعارات قابلة للاستهلاك، لا إلى التزام عملي.

وفق هذا الطرح، فإن المجتمعات الحديثة تعيش حالة “سيولة أخلاقية”، تصبح فيها القيم قابلة لإعادة التعريف باستمرار، دون مرجعية ثابتة.

ثالثًا: نقد فكرة الانحطاط

مع ذلك، يذهب بعض المفكرين إلى أن الحديث عن الانحطاط الأخلاقي يتكرر في كل عصر. فقد اشتكى فلاسفة العصور القديمة من فساد أخلاق الشباب، كما انتقد مفكرو القرن التاسع عشر مظاهر التحلل في مجتمعاتهم. وهذا يدعو إلى التساؤل:

هل نحن أمام انحطاط حقيقي، أم مجرد تحول في منظومة القيم؟

يمكن القول إن ما يحدث هو انتقال من منظومة قيم تقليدية قائمة على الجماعة، إلى منظومة حديثة تركز على الفرد وحقوقه. وهذا التحول قد يُنتج اختلالات مرحلية، لكنه لا يعني بالضرورة انهيارًا أخلاقيًا شاملًا.

رابعًا: البعد العربي والسوداني

في السياق العربي، والسوداني على وجه الخصوص، تتقاطع هذه التحولات مع تحديات أخرى مثل النزوح والهجرة والحروب. فحين تتفكك الروابط الاجتماعية بسبب الصراع أو الفقر، تتعرض القيم لضغوط شديدة. كما أن الانفتاح الإعلامي غير المنضبط قد يخلق فجوة بين الأجيال، ويعزز أنماطًا ثقافية بعيدة عن الخصوصية المحلية.

غير أن المجتمع السوداني، بما يمتلكه من إرث ثقافي وديني عميق، يظل قادرًا على إعادة إنتاج قيمه في صيغ جديدة تتلاءم مع العصر دون التفريط في جوهرها.

 

*واخيرا إن أطروحة جيفري حول الانحطاط الأخلاقي تمثل دعوة للتأمل لا للحكم القطعي. فالأخلاق ليست بنية جامدة، بل كيان حي يتأثر بالتحولات الاقتصادية والسياسية والتقنية. والتحدي الحقيقي لا يكمن في مقاومة التغيير، بل في إدارة هذا التغيير بحيث يُحافظ على كرامة الإنسان، ويعزز التضامن الاجتماعي، ويوازن بين الحرية والمسؤولية.

فليست كل تحولات القيم انحطاطًا، كما أن ليس كل تمسك بالماضي فضيلة؛ إنما الحكمة في بناء أخلاق متجددة، ثابتة الجذور، مرنة الفروع.

‫شاهد أيضًا‬

تدشين سلة رمضان لصندوق التأمين الاجتماعى للقوات المسلحة 

بتشريف الأمين العام للصندوق الخاص للتأمين الاجتماعي للعاملين بالقوات المسلحة،السيد الفريق …