استراتيجية الصحة بالخرطوم.. من التعافي إلى التحول الذكي
من حروفي خالد الفكي سليمان

في مدينة أنهكتها الحرب وجرحت بنيتها التحتية، لا تبدو الخطة الاستراتيجية لوزارة الصحة بولاية الخرطوم (2026–2030) مجرد وثيقة إدارية تضاف إلى أرشيف الخطط الحكومية، بل تمثل إعلاناً عملياً للانتقال من مرحلة الاستجابة الإسعافية إلى أفق التعافي المؤسسي والتحول النوعي. فإيداع الخطة لدى المجلس الأعلى للتخطيط الاستراتيجي، برعاية مدير عام الوزارة الوزير المكلف الدكتور فتح الرحمن محمد الأمين، يعكس توجهاً واضحاً لإعادة بناء النظام الصحي على أسس علمية قوامها المؤشرات الدقيقة، والحوكمة الرشيدة، والمساءلة المستمرة.
لقد فرض الواقع الصحي في الخرطوم بعد الحرب معادلة معقدة؛ إذ بات لزاماً استعادة الخدمات الصحية الأساسية بالتوازي مع إعادة تشغيل مئات المؤسسات التي تضررت أو خرجت عن الخدمة، وتأهيل المستشفيات والمراكز المرجعية، وضمان عودة الكوادر الطبية والصحية واستبقائها عبر التدريب والتحفيز. ويأتي ذلك في ظل ضغط سكاني متزايد نتيجة النزوح الداخلي والعودة العكسية، ما يضاعف الحاجة إلى نظام صحي قادر على الاستجابة السريعة والفعالة.
هنا تبرز أهمية الخطة التشغيلية المصاحبة بوصفها الأداة التنفيذية التي تترجم الرؤية الاستراتيجية إلى برامج محددة، ذات جداول زمنية واضحة وموارد مرصودة ومؤشرات أداء قابلة للقياس. فالمرحلة المقبلة، وفق ما أعلنته قيادة الوزارة، ستركز على ثلاثة محاور متكاملة: أولاً، ترسيخ حزمة الخدمات الصحية الأساسية وضمان عدالتها الجغرافية؛ ثانياً، إدخال وتوسيع الخدمات التخصصية الشاملة في مجالات أمراض القلب، والأورام، وجراحة الأعصاب، والعناية الحرجة؛ وثالثاً، تحديث البنية التقنية عبر إنشاء نظم معلومات صحية موحدة تعتمد الرقمنة، وتوظيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي في التشخيص المبكر، وإدارة الأسرة، وتحسين سلاسل الإمداد الدوائي.
إن التحول الرقمي في هذا السياق ليس ترفاً تقنياً، بل ضرورة استراتيجية لإدارة الموارد بكفاءة في بيئة ما بعد الحرب. فالنظام الصحي الذكي يسهم في تقليل الهدر، ورفع جودة القرار السريري، ودعم التخطيط المبني على البيانات. كما أن إدخال معدات وآليات حديثة يعزز فرص الشراكات الأكاديمية والاستثمارية، ويعيد بناء الثقة في المؤسسات العامة بوصفها قادرة على تقديم خدمة ذات جودة ومعايير تنافسية.
غير أن نجاح هذه الاستراتيجية يظل مرهوناً بصرامة التنفيذ، ودقة المتابعة، والتقييم الدوري، والشفافية في قياس الأداء. فعام 2026، كما وصفه مدير الإدارة العامة للاستراتيجية والمعلومات الدكتور محمد إبراهيم، هو عام الأساس والانطلاقة. وإذا ما أُحسن استثماره، فإن الخرطوم لن تكتفي باستعادة ما فقدته، بل قد تؤسس لنموذج صحي حديث، عادل وشامل، يجعل من رحم التحديات أملاً مستداماً ينعكس مباشرة على صحة الإنسان وكرامته.
khalidfaki77@gmail.com
حيا الله الجيش الابيض واخص السستر صفا محمود ابراهيم وفريقها بمستشفى بشائر بالخرطوم
اولا اسمحوا لي ان اهني الشعب السوداني بانتصارات جيشنا المقدام في كل المحاور ، وان احيي الج…





