‫الرئيسية‬ مقالات د. بشارة حامد جبارة يكتب في مساحة حرة
مقالات - ‫‫‫‏‫3 ساعات مضت‬

د. بشارة حامد جبارة يكتب في مساحة حرة

سنن الله في سقوط الطغاة بين الأمس واليوم

قال الله تعالى
﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُم بَطْشًا فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾
(سورة ق: 36)
ليست هذه الآية خبراً تاريخياً يُتلى فحسب، وإنما إعلان رباني عن سُنّة كونية ثابتة لا تتغير عبر الأزمنة، مفادها أن القوة حين تنفصل عن العدل تتحول إلى سببٍ للهلاك، وأن الطغيان مهما بلغ مداه فإن نهايته محتومة بحكم الله.
وقد أجمع المفسرون كابن كثير والطبري والسعدي والقرطبي على أن الله سبحانه يخوّف المكذبين بذكر أممٍ سبقتهم، كانت:
أعظم قوة، وأشد بطشاً، وأوسع سلطاناً، وأكثر عمراناً وانتشاراً في الأرض.
فقوله تعالى (هم أشد منهم بطشاً) أي قوةً وسطوةً وهيمنة.
أما قوله (فنقبوا في البلاد) فمعناه أنهم جالوا الأرض شرقاً وغرباً، فتحوا الأقطار، وأقاموا الحضارات، ومدّوا نفوذهم حتى ظنوا أن الأرض دانت لهم.
ثم يأتي السؤال الإلهي الذي يهزّ غرور الطغاة الكافرين أجمعين:
﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾
أي: هل وجدوا مهرباً حين جاء أمر الله؟
هل حمتهم قوتهم؟ هل أنقذتهم جيوشهم وحصونهم؟
والجواب الذي يقرره القرآن: لا مهرب من سنن الله. سنّة الله في التاريخ
القرآن يؤكد أن سقوط الطغاة قانون متكرر:
عاد بلغت ذروة القوة، وثمود بلغت قمة العمران، وفرعون امتلك أعظم سلطان سياسي وعسكري.
لكنهم جميعاً انتهوا حين تحولت القوة إلى استكبار، والسيادة إلى ظلم، والسلطان إلى قهرٍ للبشر.
وإذا تأملنا واقع العالم اليوم رأينا الصورة ذاتها تتكرر:
دولٌ كبري كافرة تتسلط على رقاب الشعوب، وخصوصا الإسلامية
تشعل الحروب،وتدير الصراعات لتحقيق الهيمنة،
وتفرض إرادتها بقوة السلاح والاقتصاد.
لقد أصبحت قوى عالمية كبرى — وفي مقدمتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني — تمارس نموذج البطش العالمي الذي وصفه القرآن:
احتلال للأراضي، دعم للحروب والصراعات، قتل للمدنيين، حصار للشعوب المستضعفة،
وازدواجية صارخة في ميزان العدالة الدولية.
إنهم اليوم ينقبون في البلاد بقواعدهم العسكرية ونفوذهم السياسي، كما فعلت أمم سبقتهم تماماً.
لكن السؤال القرآني ما زال معلقاً فوق التاريخ كله:
هل من محيص؟
الله أكبر… الحقيقة التي يخشاها الطغاة
الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرةً وأصيلاً.
ليست كلمة الله أكبر مجرد شعار، بل حقيقة تهدم أوهام القوة البشرية.
فإذا رأيت بطش الظالمين فقل: الله أكبر،
وإذا رأيت تسلط الجبابرة فقل: الله أكبر،
وإذا ضاقت الأرض بالمستضعفين فقل: الله أكبر.
لأن معناها أن:
قوة الله أكبر من جيوشهم،
وعد الله أكبر من تحالفاتهم،
عدل الله أكبر من ظلمهم،
ونصر الله أعظم من كل موازين القوة الأرضية.
لقد بلغ الطغاة عبر التاريخ ذروة قوتهم قبل سقوطهم، لأن سنّة الله تمهل ولا تهمل:
﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾
(سورة آل عمران: 178)
فالله أكبر من أن يدوم الظلم،
وأكبر من أن تضيع دماء المظلومين،
وأكبر من أن ينتصر الباطل إلى الأبد.
رسالة الآية للمؤمنين
هذه الآية ليست تهديداً للطغاة فقط، بل طمأنينة للمستضعفين:
فالله الذي أهلك من كانوا أشد بطشاً، قادر على تغيير موازين الأرض في لحظة.
ولهذا جاء التعبير عاماً:
﴿هَلْ مِن مَّحِيصٍ﴾
أي لا دولة، ولا قوة، ولا حضارة تستطيع الهروب من عدل الله إذا تجاوزت حدود الحق.
إن التاريخ الذي قصّه القرآن ليس ماضياً منقطعاً، بل مرآة للحاضر وإنذار للمستقبل.
فكل قوةٍ بلا عدل إلى زوال،
وكل طغيانٍ إلى أفول،
وكل بطشٍ بالشعوب موعده السقوط.
وسيبقى يقين المؤمن ثابتاً:
الله أكبر من الطغاة،
وأكبر من الإمبراطوريات، الكافرة المجرمة
وأكبر من كل ظلمٍ عابر في صفحات الزمن.
والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

‫شاهد أيضًا‬

الخارجية تحذر أثيوبيا

أصدرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي بيانا حذرت فيه السلطات الإثيوبية من مغبة هذه الأعمال …