‫الرئيسية‬ مقالات الشرق الأوسط بين الصواريخ والعقل حرب إن بدأت فلن تتوقف عند حدود
مقالات - ‫‫‫‏‫6 ساعات مضت‬

الشرق الأوسط بين الصواريخ والعقل حرب إن بدأت فلن تتوقف عند حدود

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

تشهد منطقتنا اليوم تصعيدًا خطيرًا يتداخل فيه الصراع بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى. وقد يبدو للبعض أن الأمر مجرد مواجهة عسكرية محدودة أو رسائل قوة متبادلة، لكن القراءة المتأنية لتاريخ المنطقة تقول إن مثل هذه الحروب نادرًا ما تبقى في حدودها الأولى، بل تتحول سريعًا إلى صراعات أوسع تتجاوز حسابات من أشعلها.

لقد علّمنا التاريخ أن الحروب تبدأ غالبًا بحسابات سياسية ضيقة، لكنها تنتهي بآثار استراتيجية وإنسانية لا يمكن لأحد التحكم فيها. ولذلك جاء التحذير الإلهي واضحًا في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25].

فالفتن إذا اندلعت لا تبقى محصورة في طرف دون آخر، بل تمتد لتصيب الجميع.

إننا حين ننظر إلى هذه المواجهة لا ننطلق من منطق الانحياز الأعمى لطرف ضد آخر، فالقضية الأهم هي أمن المنطقة واستقرار شعوبها. فالحروب في الشرق الأوسط ليست مجرد صراعات عسكرية، بل هي أزمات متعددة الأبعاد تمتد آثارها إلى الاقتصاد والطاقة والاستقرار الاجتماعي، وتدفع الشعوب ثمنها الأكبر.

ومن المفارقات المؤلمة أن الدول التي كثيرًا ما تتضرر من تداعيات هذه الصراعات هي دول الخليج العربية، رغم أنها في سياساتها العامة اختارت طريق التنمية والاستقرار بدل طريق الصراعات. فقد سعت هذه الدول خلال العقود الماضية إلى بناء اقتصادات قوية ومجتمعات مستقرة، وإلى لعب دور إيجابي في دعم الاستقرار الإقليمي.

وفي مقدمة هذه الدول تقف المملكة العربية السعودية التي لا تمثل ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا فحسب، بل تمثل أيضًا قلب العالم الإسلامي؛ فهي تحتضن الحرمين الشريفين، قبلة المسلمين ومهوى أفئدتهم. ولهذا فإن أي اعتداء على أمنها أو استقرارها لا يُنظر إليه باعتباره اعتداءً على دولة فحسب، بل مساسًا بمكانة دينية وروحية ترتبط بها مشاعر أكثر من مليار مسلم في أنحاء العالم.

وقد قال الله تعالى في بيان حرمة هذه الأرض المباركة:﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: 25].

إن توسيع دائرة الصراع في المنطقة، أو محاولة نقل الحرب إلى دول مستقرة، لن يكون خطوة عسكرية عابرة، بل مقامرة خطيرة بأمن منطقة بأكملها. فهذه المنطقة ليست مجرد جغرافيا سياسية، بل عقدة استراتيجية في الاقتصاد العالمي، ومركز ديني وثقافي بالغ الحساسية.

وقد عبّر المفكر البريطاني برتراند راسل عن حقيقة الحروب بقوله:

“الحرب لا تحدد من هو المحق، بل تحدد فقط من هو الباقي.”

لكن في الشرق الأوسط قد لا يكون هناك منتصر حقيقي؛ لأن الحروب هنا كثيرًا ما تتحول إلى دوامات طويلة من الصراع والفوضى.

إن المنطقة اليوم تحتاج إلى صوت العقل لا صوت المدافع، وإلى سياسات تفتح أبواب التهدئة بدل توسيع دوائر التصعيد. فإشعال النار في الشرق الأوسط ليس مجرد خطوة عسكرية، بل قد يكون شرارة لأزمة إقليمية واسعة لا يمكن التكهن بمداها.

إن شعوب هذه المنطقة لم تعد تحتمل حربًا جديدة، فقد أنهكتها الصراعات الطويلة، وتطلعت إلى سنوات من البناء والاستقرار. ولذلك فإن الحكمة تقتضي أن تدرك القوى المتصارعة أن الشرق الأوسط ليس ساحة اختبار للقوة، بل منطقة إذا اشتعلت فيها النار فلن تقف عند حدود دولة أو نظام.

إن إشعال الحرب هنا يشبه إشعال النار في بيتٍ واسع يسكنه الجميع؛

وقد تحرق ألسنة اللهب أطرافه أولًا، لكنها في النهاية لن تترك أحدًا سالمًا.

فليتذكر الجميع قول الله تعالى:

﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128].

ولعل العقلاء يدركون قبل فوات الأوان أن السلام في هذه المنطقة ليس خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة تاريخية لحماية مستقبلها.

‫شاهد أيضًا‬

تصنيفات واشنطن… عندما تصبح السياسة كوميديا سوداء…!!

في واحدة من تلك اللحظات التي يصبح فيها المشهد الدولي أقرب إلى الكوميديا السوداء، أعلنت وزا…