رسالة مفتوحة إلى وزارة الخارجية الأمريكية بشأن تداعيات تصنيف جماعات سودانية ضمن قوائم الإرهاب
د. عبدالعزيز الزبير باشا

إلى السادة في وزارة الخارجية الأمريكية،
نكتب إليكم هذه الرسالة من منطلق المسؤولية الفكرية والأخلاقية تجاه شعب السودان، الذي يجد نفسه مرة أخرى في قلب قرارات دولية كبرى تُبنى في كثير من الأحيان على قراءات غير مكتملة للواقع السوداني المعقد.
لقد تابعنا البيان الصادر بشأن تصنيف ما سُمّي بـ“الإخوان المسلمين السودانيين” ضمن قوائم الإرهاب. وبغض النظر عن المواقف السياسية المتباينة داخل السودان تجاه أي تيار أو حركة، فإن القضية الأساسية هنا ليست الدفاع عن تنظيم بعينه، بل الدفاع عن الحقيقة وعن شعبٍ لا يجوز أن يُختزل تاريخه السياسي والاجتماعي في تصنيفات مبسطة أو سرديات غير دقيقة.
السودان بلد متعدد التيارات الفكرية والسياسية، وقد شهد خلال العقود الماضية صراعات فكرية حادة بين الإسلاميين، والقوميين، والليبراليين، واليساريين، وغيرها من المدارس السياسية. هذه التعددية ليست ظاهرة جديدة، بل جزء أصيل من التاريخ السياسي السوداني. وعليه، فإن اختزال المشهد السوداني في إطار “تنظيم واحد” أو “تيار واحد” يسيطر على الدولة أو المجتمع هو تبسيط لا يعكس الواقع.
الأمر الأكثر إثارة للقلق في البيان الصادر هو الربط المباشر بين أطراف سودانية وبين الحرس الثوري الإيراني. هذه المقاربة تتجاهل حقيقة معروفة لكل من درس البنية الفكرية والسياسية في السودان:
المجتمع السوداني، في غالبيته الساحقة، ينتمي إلى المدرسة السنية التقليدية، وقد كانت العلاقة الفكرية والسياسية بين التيارات الإسلامية السنية في السودان وبين المذهب الشيعي الإيراني محل توتر واختلاف عميق لعقود طويلة. إن تصوير هذه العلاقة وكأنها تحالف أيديولوجي طبيعي يتناقض مع الوقائع التاريخية والفكرية المعروفة.
إن المشكلة الأساسية في مثل هذه القرارات ليست فقط في مضمونها، بل في تداعياتها. عندما تُبنى سياسات دولية على معلومات جزئية أو على تصريحات غير منضبطة تصدر عن أفراد هنا أو هناك في سياق حرب إعلامية محتدمة، فإن الضحية الحقيقية تصبح الشعب السوداني نفسه.
السودان اليوم يعيش واحدة من أخطر الحروب في تاريخه الحديث. الملايين من المدنيين نزحوا من ديارهم، والبنية التحتية للدولة تعرضت لدمار واسع، والاقتصاد الوطني يواجه تحديات وجودية. في مثل هذه الظروف، يحتاج السودان إلى فهم دولي دقيق ومتزن، لا إلى قرارات قد تزيد من تعقيد المشهد وتغذي سوء الفهم.
إننا ندرك تماماً أن مكافحة الإرهاب تمثل أولوية مشروعة للمجتمع الدولي. ولكن هذه المكافحة لا يمكن أن تكون فعالة إذا استندت إلى تعميمات واسعة أو إلى خلط بين السياقات المحلية المختلفة. التجربة الدولية خلال العقود الماضية أظهرت أن السياسات المبنية على تشخيصات خاطئة كثيراً ما تؤدي إلى نتائج عكسية.
ما يحتاجه السودان اليوم ليس مزيداً من التصنيفات السياسية التي قد تُستخدم في الصراع الداخلي، بل مقاربة دولية أكثر عمقاً تقوم على:
• فهم دقيق لتعقيدات المشهد السوداني.
• تمييز واضح بين الدولة السودانية ومختلف التيارات السياسية داخلها.
• دعم استقرار السودان ومؤسساته الوطنية بدل تعقيد بيئته السياسية.
• فتح قنوات حوار مع الخبراء والباحثين المتخصصين في الشأن السوداني قبل إصدار أحكام شاملة.
إن الشعب السوداني ليس ساحةً لتصفية الحسابات الجيوسياسية، ولا ينبغي أن يتحمل تبعات سوء الفهم الدولي لطبيعة مجتمعه وتاريخه.
نأمل أن تعيد وزارة الخارجية الأمريكية النظر في الطريقة التي تُقرأ بها التطورات في السودان، وأن تُعطى الأولوية لتحليل عميق ومتوازن يأخذ في الاعتبار خصوصية المجتمع السوداني وتعقيداته، بدلاً من إسقاط نماذج تفسيرية جاهزة من مناطق أخرى على واقع مختلف تماماً.
في النهاية، يبقى الهدف المشترك للجميع هو الاستقرار والسلام في السودان والمنطقة. ولن يتحقق هذا الهدف إلا عبر سياسات مبنية على معرفة دقيقة، لا على افتراضات متسرعة.
مع خالص التقدير،
*09/03/2026*
تصنيفات واشنطن… عندما تصبح السياسة كوميديا سوداء…!!
في واحدة من تلك اللحظات التي يصبح فيها المشهد الدولي أقرب إلى الكوميديا السوداء، أعلنت وزا…






