‫الرئيسية‬ مقالات التعليم وسؤال الدولة
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

التعليم وسؤال الدولة

وجه الحقيقة  إبراهيم شقلاوي

الأسبوع الماضي أصدر الرئيس عبد الفتاح البرهان توجيهاً بتشكيل لجنة عليا لإسناد التعليم . جاءت هذه الخطوة استجابة لإشكالات عانى منها القطاع الذي أنهكته الحرب، وشملت صرف متأخرات المعلمين وصيانة مطبعة الكتاب المدرسي. ورغم أهمية هذه الإجراءات، فإنها تثير سؤالاً مهمآ نحاول الإجابة عليه في هذا المقال: هل أزمة التعليم في بلادنا ، مجرد نقص في الموارد والبنية التحتية، أم أنها ، مرتبطة بالمناهج والمسارات التعليمية التي تشكل عقول الأجيال ومستقبل الوطن، أو انعكاس لتقلبات وظيفة الدولة عبر الأزمنة المختلفة؟

فالتعليم في الدولة الحديثة ليس مجرد خدمة اجتماعية، بل هو إحدى أهم أدوات تشكيل المجتمع. فمن خلال المدرسة تتشكل منظومة القيم ، ويتكون الوعي الوطني، وتُبنى العلاقة بين الفرد والدولة. ولذلك فإن النقاش حول التعليم لا ينبغي أن ينحصر في المعلم والكتاب والامتحانات، بقدر ما يجب أن يمتد إلى السؤال الأساسي: أي نوع من المواطنين نريد أن نصنع؟

في السودان تبدو هذه المسألة أكثر تعقيدًا. فالنقاش حول التعليم ظل يتأرجح بين رأيين متقابلين. الأول يرى أن التعليم ، ما يزال يحتفظ بجودة مخرجاته رغم كل الظروف، مستندًا إلى نجاحات خريجي الجامعات السودانية في الخارج، خاصة في مجالات الطب والهندسة، والإدارة حيث استطاع كثير منهم التفوق في برامج الدراسات العليا والعمل في مؤسسات أكاديمية ومهنية مرموقة. هذه الوقائع تشير إلى أن النظام التعليمي، رغم تواضع إمكاناته، ظل قادرًا على إنتاج عقول منافسة عالميًا.

أما الرأي الآخر فيذهب إلى أن هذه النجاحات الفردية لا تعني بالضرورة سلامة النظام التعليمي، بل تعكس غالبًا اجتهادات شخصية استثنائية.

ويشير هذا الاتجاه إلى أن الخلل الحقيقي يبدأ في التعليم قبل الجامعي، حيث ما تزال المناهج تعتمد بدرجة كبيرة على الحفظ والتلقين، مع ضعف واضح في تنمية التفكير النقدي والبحثي. وفي مثل هذا النظام يمكن أن يتخرج طلاب متفوقون في الامتحانات، لكن دون أن يمتلكوا بالضرورة أدوات التفكير العلمي القادر على التحليل و الابتكار.

هنا يظهر الفرق بين التعليم كعملية لنقلٍ المعرفة، وبين التثقيف بوصفه عملية لبناء الوعي. فالتعليم يزوّد الطالب بالمعلومات والمهارات، بينما يهدف التثقيف إلى تشكيل شخصيته كمواطنٍ يدرك حقوقه وواجباته، ويشارك في الشأن العام بوعيٍ ومسؤولية.

وحين تغيب هذه الرؤية، تتحول المناهج إلى مجرد كتب دراسية متغيرة بتغير العهود السياسية. وقد شهد السودان خلال العقود الماضية تعديلات متكررة في المناهج، كثير منها ارتبط بالصراعات الفكرية والأيديولوجية أكثر من ارتباطه برؤية معرفية مستقرة. والنتيجة أن المدرسة فقدت تدريجيًا قدرتها على لعب دورها الأهم: بناء الوعي الوطني المشترك. وهو ما يفسر جانبًا من التوهان و الحيرة التي يعيشها مجتمعنا السوداني اليوم في تعريف نفسه وهويته المشتركة بل حتى مشروعه الوطني .

فالمدرسة، في أي مجتمع، ليست فقط مكانًا للتعلم، بل فضاءً لبناء الهوية الوطنية. وفي بلد متنوع مثل السودان، حيث تتعدد الثقافات واللهجات والانتماءات القبلية، تكتسب هذه الوظيفة أهمية مضاعفة. فالمدرسة يمكن أن تكون الجسر الذي يربط هذه التعددية داخل إطار وطني جامع، أو قد تتحول – إذا غابت الرؤية – إلى مؤسسة عاجزة عن بناء هذا الرابط.

وفي ظل ما مرّ به السودان من حرب وانقسامات، يصبح التعليم أحد أهم مفاتيح وممسكات التعافي الوطني وتماسك اللحمة الوطنية . فإعادة فتح المدارس لا تعني فقط استئناف الدراسة، بل تعني إعادة بناء الوعي الجمعي للأجيال الجديدة. ولهذا فإن إصلاح التعليم يجب أن يتجاوز المعالجات الإدارية العاجلة إلى التفكير في دوره ضمن مشروع أوسع لبناء الدولة.

هذا المشروع يطرح بدوره أسئلة صعبة: ما هي فلسفة التعليم التي يحتاجها السودان اليوم؟ هل الهدف هو تخريج حملة الشهادات، أم إعداد قوة عمل قادرة على دعم الاقتصاد، أم بناء مواطن واعٍ يشارك في صياغة المستقبل.

التجارب الدولية تشير إلى أن الدول التي نجحت في تحقيق نهضة سريعة نظرت للتعليم بوصفه أساس المشروع الوطني. ففي ألمانيا واليابان وماليزيا، و رواندا ارتبط إصلاح التعليم بتوسيع التعليم الفني والتقني وربطه بالاقتصاد الإنتاجي. وفي دول أخرى جرى إدخال مواد مثل الفلسفة والمنطق والدراسات الحديثة لتكوين عقل نقدي قادر على التفكير المستقل.

أما في السودان، فإن أي مشروع إصلاح تعليمي سيظل ناقصًا ما لم يبدأ من المعلم. فالمعلم هو حجر الأساس في العملية التعليمية، ولا يمكن الحديث عن جودة التعليم في ظل أوضاع مهنية واقتصادية لا تتيح له أداء دوره.

إن توجيه قيادة الدولة بتكوين لجنة عليا لإسناد التعليم خطوة مهمة، لكنه يفتح باب سؤال الدولة. فالدولة التي تحسم رؤيتها لما تريد من مواطنيها تستطيع أن تبني نظامًا تعليميًا واضح الأهداف، أما حين تغيب هذه الرؤية فإن التعليم يظل أسير القرارات المؤقتة والتجارب غير المكتملة.

ولهذا، وبحسب #وجه_الحقيقة، فإن التعليم في السودان، سؤال يتعلق بكيفية إعادة بناء الوعي الوطني بعد ما أصاب النسيج الاجتماعي من تصدّع. ففي بلدٍ تتعدد فيه اللهجات وتتداخل الانتماءات القبلية والسياسية، لا يكفي أن تنقل المناهج المعرفة، بل ينبغي أن تعلّم الأجيال كيف تفكر.

إن إدخال الفلسفة والمنطق إلى العملية التعليمية، ضرورة لصناعة عقلٍ نقدي قادر على فهم الاختلاف دون أن يفقد الانتماء للوطن. عندها فقط يمكن للتعليم أن يؤدي دوره الحقيقي. أن يصنع مواطنًا يعلو وعيه فوق الانقسامات، ويضع أساسًا متينًا لدولةٍ تتماسك بالمعرفة والقيم والانتماء.

دمتم بخير وعافية.

الأثنين 16 مارس 2026 م Shglawi55@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

‫شاهد أيضًا‬

بنك السودان يرفع سقوف التمويل الأصغر والصغير لدعم الإنتاج والصادرات

أعلن بنك السودان المركزي عن تعديل سقوف التمويل الأصغر والصغير، في خطوة تهدف إلى توسيع مظلة…