السودان: التصنيف الأمريكي بين ضغط الحرب وهندسة السياسة
أمواج ناعمة د. ياسر محجوب الحسين

لم يكن القرار الذي أعلنت بموجبه وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف الحركة الإسلامية في السودان ضمن قائمة ما يسمى «الإرهابيين العالميين المصنفين بشكل خاص» مجرد إجراء قانوني معزول، كما حاولت واشنطن تسويقه. ففي عالم السياسة نادرا ما تكون القرارات الكبرى مجرد نصوص قانونية جافة؛ إذ تقف خلفها دائما حسابات استراتيجية معقدة تتعلق بموازين القوة ومصالح الدول. ومن هذا المنظور، يبدو القرار الأمريكي أقرب إلى خطوة سياسية تستهدف إعادة تشكيل المشهد السوداني، أكثر مما يعكس حكما موضوعيا على واقع داخلي.
فالقرار، الذي استند إلى الأمر التنفيذي الأمريكي رقم 13224، جاء في توقيت شديد الدلالة؛ إذ صدر بينما كان الجيش السوداني يحقق تقدما ميدانيا واضحا في مواجهة مليشيا الدعم السريع، بعد سنوات من القتال العنيف الذي هدد كيان الدولة نفسها. وفي تلك اللحظة تحديدا، كان ميزان المعركة يميل تدريجيا لصالح الجيش، مدعوما بحاضنة شعبية واسعة وبقوى اجتماعية وسياسية تطوعت للقتال إلى جانبه دفاعا عن البلاد.
ومن هنا تبرز المفارقة الكبرى في القرار الأمريكي؛ فإذا كان معيار مكافحة الإرهاب هو حماية المدنيين ومنع الجرائم الجماعية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا تجاهلت واشنطن، طوال فترة الحرب، الجرائم الموثقة التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع بحق المدنيين في مدن وقرى السودان؟ فقد تحدثت تقارير دولية ومنظمات حقوقية بل وتحركات داخل الكونغرس ومجلس الشيوخ عن عمليات قتل ونهب واغتصاب وتهجير واسعة النطاق، ومع ذلك لم تقترب تلك المليشيا من قوائم الإرهاب الأمريكية، وكأن بينها وبين تلك القوائم حاجزا سياسيا غير مرئي.
هذه الازدواجية في المعايير تجعل من الصعب تفسير القرار بوصفه خطوة أخلاقية أو قانونية، بل إن القراءة الأقرب إلى الواقع تشير إلى أنه محاولة لممارسة ضغط سياسي على الجيش السوداني في لحظة عسكرية حساسة. فالتلميح المتعمد في القرار إلى “فيلق البراء بن مالك” – وهو أحد التشكيلات التي نشأت ضمن التعبئة الشعبية لمساندة الجيش – لم يكن عرضيا، بل بدا وكأنه رسالة واضحة تهدف إلى تصوير الحرب في السودان على أنها صراع تشارك فيه “قوى متطرفة” إلى جانب الجيش، وليس مواجهة بين دولة وطنية وتمرد مسلح يهدد كيانها.
وإذا ترسخت هذه الرواية في الخطاب الدولي، فإنها قد تُستخدم لاحقا لتبرير ضغوط سياسية أو عقوبات أو حتى تدخلات خارجية تحت عناوين مختلفة. والأهم من ذلك أنها قد تدفع الجيش السوداني إلى النأي بنفسه عن القوى التي ساندته في الحرب، وهو ما يعني عمليا إضعاف معسكره في لحظة لا تزال فيها المعركة مفتوحة.
لكن الهدف لا يبدو مقتصرا على الضغط العسكري وحده؛ فقرار التصنيف يحمل بعدا سياسيا أعمق يتعلق بمستقبل السلطة في السودان بعد الحرب. إذ يشير إلى محاولة لإقصاء تيار سياسي واسع الجذور في المجتمع السوداني من أي ترتيبات سياسية قادمة، عبر تجريمه دوليا ووضعه خارج المجال العام.
وتتصل هذه المقاربة بسياق سياسي معروف شهدته البلاد خلال السنوات الماضية، حين سعت واشنطن وشركاؤها الإقليميون والدوليون إلى فرض صيغة سياسية بعينها عبر ما عُرف بـ “الاتفاق الإطاري”، الذي كان يهدف إلى إعادة تشكيل السلطة الانتقالية بما يمكن مجموعة من القوى السياسية المرتبطة برئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، رغم ما واجهته تلك الصيغة من رفض واسع داخل السودان. وبعد تعثر ذلك المسار، ظهرت محاولات جديدة عبر ما سمي بـ “اللجنة الدولية الرباعية” بقيادة الولايات المتحدة لإعادة طرح تسوية سياسية مشابهة.
في هذا السياق، يبدو قرار التصنيف جزءا من عملية أوسع تهدف إلى إعادة هندسة الخريطة السياسية السودانية؛ فإقصاء تيارات بعينها من المجال السياسي من خلال قوائم الإرهاب يفتح الطريق أمام تمكين قوى أخرى، حتى لو كانت تعاني ضعفا في القاعدة الشعبية. وبذلك يتحول التصنيف من أداة أمنية إلى وسيلة لإدارة الصراع السياسي.
كما أن القرار يوجه رسالة غير مباشرة إلى المؤسسة العسكرية نفسها؛ فإذا قبل الجيش بمنطق التصنيف واستجاب للضغوط التي تترتب عليه، فقد يجد نفسه لاحقا أمام مطالب أوسع تتعلق بإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وأجهزة الدولة تحت عناوين الإصلاح أو اعادة الهيكلة أو التحول الديمقراطي، وهو مسار قد ينتهي بإضعاف الدولة نفسها في لحظة تاريخية بالغة الحساسية.
لهذا كله، يصعب النظر إلى القرار الأمريكي بمعزل عن سياق الحرب الدائرة في السودان وتوازناتها السياسية. فالتصنيف، في جوهره، لا يبدو مجرد إجراء قانوني لمحاربة الإرهاب، بل خطوة سياسية تستهدف التأثير في مسار الصراع. فهو يسعى من ناحية إلى حرمان الجيش السوداني من القوى المقاتلة التي ساندته بإخلاص حتى بدت مليشيا الدعم السريع في رمقها الأخير، ومن ناحية أخرى إلى التدخل في تشكيل الخريطة السياسية المستقبلية للسودان عبر إقصاء قوى وتمكين أخرى.
وفي النهاية، قد يثبت الواقع مرة أخرى أن السودان أعقد من أن يُعاد تشكيله بقرارات تصدر من الخارج؛ فالتوازنات الاجتماعية والسياسية التي تشكلت عبر عقود طويلة لا يمكن محوها بقرار إداري أو بتصنيف سياسي، مهما كان مصدره.
بيننا وبين الحكم الراهن..تعضيد الشراكة العسكرية المدنية..مناخ الحرب لايتيح كل المطلوب..والحكومة تعمل في ظرف عصيب..خطورة النقد الإنطباعي للحكومة..!!
ويظل التعريف الأفضل لحقبة قحت مابعد التغيير المشؤوم، أنها كانت بداية خطوات (مردة شياطين) ا…





