‫الرئيسية‬ مقالات أزمة الشرعية في الدولة الانتقالية: الدرس السوداني
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

أزمة الشرعية في الدولة الانتقالية: الدرس السوداني

د. الشاذلي عبد اللطيف

في اللحظات التاريخية التي تمر فيها الدول بمراحل انتقالية عميقة، لا تكون الأزمة مجرد صراع على السلطة، بل تتحول إلى أزمة في الشرعية السياسية التي يقوم عليها الحكم نفسه. ففي مثل هذه اللحظات لا يكون السؤال من يحكم فقط، بل كيف تُمارس السلطة وبأي قواعد تُدار الدولة. فالدولة الحديثة لا تقوم على احتكار القوة وحده، بل على قدرتها على تحويل هذه القوة إلى نظام قانوني يعبر عن الإرادة العامة ويمنح السلطة مشروعيتها.

لقد أدركت الفلسفة السياسية منذ وقت مبكر أن السلطة إذا تُركت دون قيود مؤسسية تميل بطبيعتها إلى التمركز. ولهذا جاءت فكرة الفصل بين السلطات التي صاغها مونتسكيو بوصفها أحد أهم الضمانات لحماية المجتمع من احتكار الحكم. فالحرية السياسية، كما رأى، لا تتحقق إلا عندما «توقف السلطةُ السلطةَ». ومن هنا أصبحت السلطة التشريعية إحدى الركائز الأساسية في بناء الدولة الدستورية، لأنها تمثل المجال الذي تتحول فيه الإرادة الاجتماعية إلى قواعد قانونية تنظم الحياة السياسية.

فالسلطة التشريعية ليست مجرد مؤسسة لسن القوانين، بل هي في جوهرها تعبير عن سيادة المجتمع. وقد عبّر جان جاك روسو عن هذه الفكرة عندما اعتبر أن القانون هو التعبير الأعلى عن الإرادة العامة. ومن خلال عملية التشريع تتحول هذه الإرادة إلى قواعد عامة ملزمة للجميع، وهو ما يمنح النظام السياسي شرعيته.

غير أن هذه المعادلة الدقيقة بين السلطة والشرعية تصبح أكثر هشاشة في الدول التي تمر بمرحلة انتقالية، كما هو الحال في السودان. فالمرحلة الانتقالية ليست مجرد فترة زمنية تفصل بين نظامين سياسيين، بل هي لحظة تاريخية يعاد فيها تعريف العقد الاجتماعي الذي تقوم عليه الدولة. وفي مثل هذه اللحظات يصبح التشريع فعلًا تأسيسيًا يحدد القواعد التي ستنظم النظام السياسي القادم.

لقد أدى غياب المجلس التشريعي في التجربة السودانية خلال السنوات الماضية إلى فراغ مؤسسي واضح، انعكس على طبيعة التوازن بين مؤسسات الدولة. ففي ظل غياب مؤسسة تشريعية تمثل الإرادة العامة وتضطلع بمهام الرقابة والمساءلة، أصبحت السلطة التنفيذية الفاعل الأساسي في إدارة الشأن العام. وهذا الوضع، حتى وإن كان نتيجة لظروف استثنائية، يظل قابلًا لأن يؤدي إلى اختلال في التوازن المؤسسي الذي تقوم عليه فكرة الدولة الحديثة.

ومن هنا تبرز أهمية المجلس التشريعي الانتقالي بوصفه إحدى الأدوات الضرورية لإعادة التوازن إلى بنية الحكم. فالمجلس التشريعي لا يؤدي وظيفة قانونية فحسب، بل يفتح المجال أمام تمثيل القوى الاجتماعية والسياسية المختلفة داخل مؤسسات الدولة. وبدل أن تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات مفتوحة خارج الإطار المؤسسي، تتحول داخل المؤسسة التشريعية إلى نقاشات منظمة تحكمها قواعد القانون والدستور.

كما أن وجود مؤسسة تشريعية فاعلة يسهم في إعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وهي الثقة التي غالبًا ما تتعرض للاهتزاز في أوقات الأزمات والحروب. فعندما يشعر المواطن بأن صوته ممثل داخل مؤسسة تشريعية، فإن الدولة تتحول من سلطة فوق المجتمع إلى إطار سياسي يعكس الإرادة العامة ويمنح القرارات العامة قدرًا أكبر من الشرعية.

لقد أثبتت التجارب السياسية أن الدول التي نجحت في عبور مراحلها الانتقالية هي تلك التي استطاعت بناء مؤسسات قادرة على تحويل الصراع السياسي إلى عملية سياسية منظمة. فالمؤسسات التمثيلية، وفي مقدمتها المجالس التشريعية، توفر المجال لتعدد الآراء والتوجهات، وتتيح إدارة الاختلافات داخل إطار سياسي سلمي.

وفي نهاية المطاف، فإن بناء مجلس تشريعي انتقالي في السودان لا يمثل مجرد استكمال شكلي لبنية الحكم، بل يشكل خطوة أساسية في إعادة تأسيس الشرعية السياسية. فالدولة الحديثة لا تقوم على القوة وحدها، بل على التوازن بين المؤسسات وسيادة القانون ومشاركة المجتمع في صناعة القرار العام.

ومن دون هذا التوازن المؤسسي، يبقى الانتقال السياسي هشًا، وتظل الدولة معرضة لأن تُدار بمنطق القوة بدل أن تقوم على منطق القانون.

‫شاهد أيضًا‬

بيننا وبين الحكم الراهن..تعضيد الشراكة العسكرية المدنية..مناخ الحرب لايتيح كل المطلوب..والحكومة تعمل في ظرف عصيب..خطورة النقد الإنطباعي للحكومة..!!

ويظل التعريف الأفضل لحقبة قحت مابعد التغيير المشؤوم، أنها كانت بداية خطوات (مردة شياطين) ا…