حرب المحليات على الرزق، حين يطغى التحصيل على الإنسان في أسواقنا
واقع معاش بقلم اللازم السفير

تظل المحلية في النظم الإدارية هي الحلقة الأقرب لواقع المواطن، والمحرك الأساسي لعمليات التنمية والخدمات التي تلامس حياته اليومية، إلا أن المشاهدات الواقعية في العاصمة والمدن الكبرى تضعنا أمام مفارقة مؤلمة؛ حيث تحولت هذه المؤسسات في ذهن المواطن من جهة خدمية إلى أداة للتخويف والملاحقة. إن النظرة الغالبة اليوم لعمل المحليات باتت تنحصر في الزاوية المالية الصرفة، حيث يُنظر لكل صاحب “درداقة” أو بائع متجول كمصدر للجباية والتحصيل، دون اعتبار للرؤية المستقبلية التي تضمن استقرار هؤلاء البسطاء أو تحسين أوضاعهم المعيشية، وهو ما أفرز واقعاً يفتقر للمؤسسية ويقوم على قرارات وقتية تتغير بتغير الضباط الإداريين وتعديلاتهم المستمرة.
ما نلحظه من عمليات “إزالة” متكررة، لا تراعي في كثير من الأحيان كرامة الإنسان، تعكس خللاً بليغاً في منهجية التنظيم؛ فالمواطن “الفريش” الذي أجبرته الظروف القاهرة وظلال الحرب الاستثنائية على كسب عيشه في الأسواق، يجد نفسه اليوم مستهدفاً بإجراءات قاسية تتجاوز حدود المخالفة الإدارية. وهنا يجب أن نعي أن ظاهرة “الباعة المتجولين” و”الفريشة” ليست بدعة سودانية، بل هي ظاهرة اقتصادية عالمية تُدار بالتقنين، خاصة وأن الكثير من هؤلاء الباعة كانوا بالأمس أصحاب محلات مستقرة، أو موظفين في الدولة ومهنيين من شتى المجالات نزحوا من ديارهم وفقدوا رواتبهم ومدخراتهم، فاختاروا رصيف الشارع “بشرف” ليبدأوا رحلة الكفاح من “نقطة الصفر” بدلاً من مد الأيدي للسؤال.
وللأسف، وصلت بعض ممارسات “الجهات المنفذة” إلى استخدام القوة البدنية المفرطة والضرب ضد هؤلاء الضعفاء الذين قهرتهم الظروف، بدلاً من تطبيق روح القانون الذي يراعي اضطرار الناس لهذه المهن الهامشية. إن مشاهد العنف وإتلاف الممتلكات لا تشبه قيمنا السودانية ولا تليق بدولة المؤسسات، وتخلق غبناً اجتماعياً يباعد الشقة بين المواطن والسلطة. لذا، لا بد من أن نسمو بالقوانين لتخدم المواطن خدمة حقيقية؛ فهناك تجارب عالمية ناجحة، كالنموذج التركي، تعتمد “التخصصية” في البلديات (صحة، تعليم، خدمات)، مما يضمن تقديم الخدمة بفاعلية دون احتكاك سلبي مع متلقيها و إداراتنا المحلية تنظر حتى للصحة أو الخدمات من زاوية “إيرادية” بحتة.
إننا بحاجة ماسة لمراجعة شاملة وتجديد للدماء الحارة في شرايين الإدارة المحلية، ووضع قوانين مرنة وفاعلة تواكب التطور وتلبي حوجة الإنسان السوداني في هذه المرحلة الحرجة. التنظيم ضرورة، لكنه يبدأ بوضع الحلول وتوفير البدائل لا بافتعال الأزمات. العبور ببلادنا إلى مصافي الدول المتقدمة يبدأ من يقظة الضمير، واحترام حقوق الإنسان، ومعرفة الواجبات المتبادلة بين الدولة والمواطن؛ فالدولة القوية هي التي تحمي كادحيها، والمحلية الناجحة هي التي تزرع الأمل في قلب “الفريش” لا الخوف من “سوط” الكشة.
التعليم العالي حينما تتحدي العزيمة استهداف الجنجويد
التعليم لايتنظر التأجيل هي عبارة كسرت حواجز التعذر بشماعة الحرب وتعطيل الدراسة تجاوزته إدا…





