‫الرئيسية‬ مقالات خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد
مقالات - ‫‫‫‏‫20 ثانية مضت‬

خواطر ابن الفضل د. محمد فضل محمد

البروفيسور محمد عثمان صالح عالمٌ بحجم أمة، وجسرٌ جمع العلماء على كلمة سواء[٢]

رحم الله البروفيسور محمد عثمان صالح، فقد كان رحيله خسارةً لا تُقاس بفقد عالمٍ فحسب، بل بغياب منظومةٍ متكاملةٍ من العلم والتأثير والتربية. رجلٌ لم يكن عاديًا في حضوره، ولا مألوفًا في أثره؛ بل كان مدرسةً قائمةً بذاتها، تتجلى فيها معاني العلم الراسخ، والخلق الرفيع، والرؤية الجامعة.

وقد تحدثتُ من قبل عن سجاياه، وكان – كما ذكرت – من أحسن الناس أخلاقًا، من الموطَّئين أكنافًا، الذين يألفون ويؤلِّفون، حتى صار مألفًا للقلوب، وموضع ثقةٍ عند الخاصة والعامة. غير أن أعظم ما يميّزه – في نظري – هو علاقته بالعلم وأهله؛ تلك العلاقة التي لم تقف عند حدود المعرفة، بل تجاوزتها إلى بناء الجسور، وصناعة التوافق، وترسيخ فقه الاجتماع على الثوابت.

ولعل علاقته بالشيخ محمد هاشم الهدية – رحمهما الله – تمثل أنموذجًا ناصعًا لذلك؛ فقد كانت علاقة تقديرٍ وتلاقٍ على أصولٍ مشتركة، تجمعها خدمة الدين وتعظيم العلم. وقد حدّثني – رحمه الله – عن تلك الصلة التي قامت على الاحترام المتبادل، والتواصل العلمي والدعوي، حيث كانت اللقاءات بينهما مجالس علمٍ ووقار، تُطرح فيها قضايا الأمة بروحٍ مسؤولة، ومنهجٍ راشد، بعيدًا عن ضيق الأفق أو تصنيف الناس. وكان يرى في الشيخ الهدية عالمًا صاحب أثر، يُستفاد من علمه، ويُقدّر مقامه، في صورةٍ تجسّد حقيقة العلماء الكبار حين يجتمعون على الأصول.

ولم يكن هذا الامتداد محصورًا في دائرةٍ بعينها، بل كان – رحمه الله – حاضرًا في مختلف البيئات العلمية، رابطًا بين مدارسها، جامعًا لكلمتها. فقد كانت له صلات راسخة بعلماء المملكة العربية السعودية، وعلى رأسهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز – رحمه الله –، الذي جمعه به تواصل علمي مثمر، كما كانت له صلة بسماحة المفتي الشيخ عبد العزيز آل الشيخ – رحمه الله – ، إلى جانب علاقاته العلمية المتميزة مع جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية وجامعة الملك سعود، ومع قياداتها الأكاديمية.

كما كانت له علاقة علمية ودعوية متميزة بمعالي الشيخ الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي – حفظه الله –، حيث جمعتهما ميادين العمل الإسلامي المؤسسي، ولا سيما في إطار رابطة العالم الإسلامي، فكانت علاقة قائمة على التعاون والتكامل في خدمة الدعوة ونشر العلم، إلى جانب التواصل الأكاديمي وتبادل الخبرات في قضايا التعليم العالي والعمل الإسلامي العالمي.

أما علاقته بجامعة إفريقيا العالمية، فكانت علاقة شراكةٍ علميةٍ ورسالةٍ مشتركة؛ إذ أدرك – رحمه الله – مبكرًا أهمية هذه المؤسسة في بناء العلماء والدعاة في القارة الإفريقية، فكان داعمًا لمسيرتها، ومشاركًا بخبرته في تعزيز دورها العلمي والدعوي، مؤمنًا بأن إفريقيا ميدانٌ استراتيجي لنشر العلم الصحيح، وترسيخ المنهج الوسطي، وربط شعوبها بعمقها الإسلامي.

وقد امتد أثره إلى العمل الدعوي العالمي، فكان حاضرًا في الندوة العالمية للشباب الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، بما يملك من خبرةٍ عميقة في الدعوة في القارة السمراء، ومعرفةٍ دقيقة بواقعها وتحدياتها. ولم يكن وفيًا لبلده فحسب، بل كان وفيًا لعلمائه أينما كانوا؛ فكان يتعاهد علماء السودان في المهجر، كالعلامة د. جعفر شيخ إدريس – رحمه الله –، وقبله د. زين العابدين الركابي – رحمه الله – ، كما كانت له صلات بعلماء فقه الأقليات، ومنهم الشيخ عبد الله بن بيه، فضلًا عن علاقاته الواسعة بالجاليات الإسلامية والهيئات الدعوية في أوروبا وأمريكا وأستراليا وإفريقيا.

أما منهجه، فقد كان سنيًّا صافيًا، على منهج أهل السنة والجماعة، يجمع بين الثبات على الأصول والاعتدال في الطرح، بعيدًا عن الغلو والتطرف، قويًا في الحق، واضحًا في مواقفه، لا تأخذه في الله لومة لائم. وكانت له مواقف مشهودة في الدفاع عن الصحابة، وعلى رأسهم أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها –، كما أسهم في جهود علمية ودعوية لمواجهة الانحرافات العقدية، وكان له دورٌ في إغلاق بعض المراكز المنحرفة في السودان المركز الثقافي الايراني انموذجا.

لقد كان – بحق – عالمًا بحجم أمة، ورجلًا بحجم مرحلة، جمع بين العلم والعمل، وبين الحكمة والحزم، وبين الأصالة والانفتاح. ومهما قيل في حقه، فإن العبارة تقصر عن الإحاطة، ولكن يكفي من القلادة ما أحاط بالعنق.

رحم الله البروفيسور محمد عثمان صالح، وجعل الجنة داره، وجزاه عن الإسلام وأهله خير الجزاء، وأجدد دعوتي لمحبيه وتلامذته إلى جمع تراثه العلمي الذي لم يُنشر، ليبقى نورًا يهتدي به اللاحقون، وأثرًا لا ينقطع.

وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

‫شاهد أيضًا‬

وضع السودان الحالي فيه من الخطورة و الهشاشة أكثر مما كان في أعوام 64 و 85 و 2019 تلك المحطات التي تدخل فيها الجيش حفاظا علي تماسك الدولة

ماذا جنت قيادتنا من الإستماع للخارج و التردد في اتخاذ بعض القرارات الوطنية القوية .. هل أع…