‫الرئيسية‬ مقالات أغوار وأسرار الشخصية السودانية (8-10)
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

أغوار وأسرار الشخصية السودانية (8-10)

حسن النخلي يكتب التحليق وسط الزحام

تعتبر كلية غردون التذكارية (جامعة الخرطوم) من أبرز المؤسسات التي لعبت دورًا كبيرًا في تكوين الشخصية السودانية، خاصة في مجال التعليم والتنمية. حيث تأسست الكلية في عام 1902 على يد اللورد كتشنر، تخليدًا لذكرى الجنرال تشارلز جورج غوردون. كانت الكلية في البداية مدرسة أولية، ثم تطورت إلى مدرسة ثانوية، وأخيرًا إلى كلية جامعية في عام 1951، قبل أن تصبح جامعة الخرطوم في عام 1956.

 

وقد سبق ظهور تلك الفكرة قيام مؤسسات تعليمية في السودان، مدرسة الخرطوم الابتدائية التي أنشأها الخديوي عباس الأول، ليس حبًا في السودان ولا لتعليم أهله، إنما لسببين: أولهما نفي رفاعة رافع الطهطاوي صاحب مدرسة الألسن، والسبب الثاني تعليم أبناء الموظفين الأتراك والمصريين. ولم يذكر أن تم استيعاب طالب سوداني، وكان ذلك في العام 1850، واستمرت المدرسة لأربعة سنوات.

 

وبعد وفاة الخديوي عباس الأول وتولي سعيد باشا خديوية مصر، رجع الشيخ الطهطاوي إلى مصر، وكان قد قضى عامًا ونيف من تلك الأربعة التي قضاها في السودان في ترجمة رواية فرنسية شهيرة بعنوان “مغامرات تلماك”، وكان ذلك قبل إنشاءه للمدرسة الابتدائية. وكان عدد المنتظمين بها نحو أربعين تلميذًا، وقد استنكف الشيخ الكبير أن يدير هذه المدرسة الصغيرة، ويتعهد نجبائها برعاية خاصة.

 

وقد كتب قصيدة يصف فيها حال فترته هناك حيث دلف إلى وصف إنسان السودان وجوهره، وكان في حالة غبن كما ذكر فقال:

 

“ومحيي مصر أحيا كان قدري

وكافأني على قدر اجتهاد

سأشكر فضله ما دمت حياً

وما شكري لدى تلك الأياد

رعى الحنّان عهد زمان مصر

وأمطر ربعها صوب العهاد

رحلت بصفقة المغبون عنها

وفضلي في سواها في المزاد

وما السودان قط مقام مثلي

ولا سلماي فيه ولا سعاد

به ريح السموم يُشم منه

زفير لظىً فلا يطفيه واد

عواصفها صباحا أو مساءً

دواماً في اضطراب واطّراد

ونصف القوم أكثره وحوش

وبعض القوم أشبه بالجماد

فلا تعجب إذا طبخوا خليطاً

بمخ العظم مع صافي الرماد

ولطخُ الدُهن في بدنٍ وشعرٍ

كدهن الإبل من جرب القُراد

ويضرب بالسياط الزوج حتى

يقال أخو بناتٍ في الجِلاد

ويرتق ما بزوجته زماناً

ويصعب فتقُ هذا الانسداد

وإكراه الفتاة على بغاءٍ

مع النهى ارتضوه باتحاد

نتيجته المولّد وهو غالٍ

به الرغبات دوماً باحتشاد

لهم شغف’بتعليم الجواري

على شبقٍ مجاذبة الفساد

ولولا البعض من عرب لكانوا

سواداً في سوادٍ في سواد”

 

فكان ذلك وصف ذلك الطهطاوي لأهل السودان في تلك الفترة.

 

ويمضي الزمان ولا تنقضي أحداثه، ويطرد المستعمر عن طريق الدراويش الذين تعطلت في عهدهم كل عجلة الحياة في السودان على علاتها، كما وصفه ذلك المغبون لمدة 17 عامًا هي عمر السلطة المهدية. وقد تم تجهيل وتقتيل الناس، ولم يعرف السودان غير المجاعات والفتك والحروب. وفي تلك الحقبة اختفت ملامح الشخصية السودانية، ولم يتبق الجهل والتخريب حتى أزيح الستار عن تلك الحقبة عن طريق الاستعمار الإنجليزي.

 

فعقب سقوط المهدية ب6 أشهر اقترح اللورد كتشنر إنشاء كلية تذكارية لتخليد ذكرى تشارلز جوردون (غردون) الذي قتله المهدي بعد تحرير الخرطوم في 26 يناير 1885م، إثر حصار استمر لمدة 10 أشهر.

 

وكان قد أقام اللورد جيمس كري أول مدرسة ابتدائية عام 1889-1900 في أم درمان. وعند قيام كلية غردون التذكارية تم ضم تلك المدرسة وغيرها من مدارس أم درمان.

 

ولقد كان لجامعة الخرطوم الدور الكبير في تكوين الشخصية السودانية في العصر الحديث _فظھرت النخب السودانية التي كانت الكلية مختبرًا لإعدادھم حيث تخرج فيها العديد من الشخصيات البارزة، علي سبيل المثال لا الحصر عبيد حاج علي وسليمان كشة وعلي عبد اللطيف وعبد الفضيل الماظ واسماعيل الازھري الذي اصبح اول رئيسا للسودان بعد الاستقلال و الاستاذ محمد احمد المحجوب وسر الختم الخليفة وابراھيم عبود وغيرھم وقد اسھمت جامعة الخرطوم في نشر التعليم فغدت منارة للتعليم في السودان، حيث قدمت تعليمًا متميزًا لطلابها، مما ساهم في تطوير المجتمع السوداني و تعزيز القيم الوطنية حيث أصبحت ساحة للحركة الوطنية السودانية.

 

فانعكس كل ذلك التطوير على مسيرة التعليم السوداني ليصبح تعليما عالي فكانت الكلية نواة له ، مما ساهم في تطوير الجامعات السودانية لاحقا وقد خرجت الجامعة الكثير من القادة السودانيين، الذين ساهموا في تطوير السودان.

 

ولم تغب عن المستعمر فكرة إعداد وتدريب وتجهيز الجيش، حيث كانت تضم قسمين: مدني وعسكري. تم فصل الجيش عن الأكاديمية بعد ثورة 1924. وقد عمد المستعمر إلى تفاصيل صغيرة قام برسمها وتنفيذها بهدوء، كان لها الأثر الكبير في شق الصف في المجتمعات السودانية والأثر السلبي المتعمد.

 

حيث تم إنشاء المدرسة الحربية كقسم من الكلية، وعمد المستعمر في تعيين الطلبة الحربيين من السودانيين ذوي العرق الأفريقي غير الممتزج مع العرب ، وتم إقصاء السودانيين الذين لهم أصول عربية. ليتم استيعاب السودانيين ذوي الاصول العربية في المجالات الاخري غير العسكرية بعد بعض الاستثناءات وقد أحدث ذلك كثيرًا من الفوارق بين الطبقة الوسطى التي صارت نخبًا فيما بعد، وبدأ العد التنازلي في طبقة وسطى حتى اندثرت بأفول التعليم الصناعي والتجاري التي كانت ترفد الحياة بطبقة مستنيرة عاملة.

 

فأصبحت هناك طبقتان في المجتمعات السودانية تتصارعان وتتقاطعان على السلطة فظهرت النخب من الأكاديميين والضباط، واندثرت الطبقة الوسطى.بعدم الاستعاب للمھن والحرف والصناعات بل حتي تدريب الكتبة والملاحظين قد انتھي عقب خروج المستعمر بأقل من عشر سنوات وبات الخريجيون القدامي في تلك المجالات قادة تنظيمات مسيسة تخدم احزابھا دون الوطن ومنھم من ترقي الي درجة الدكتوارة ولم يسھم في الحفاظ والاستمرار في ترقية تلك الكليات التي كانت بمثابة دبلوم وسيط ولم تنل اي رعاية مع انھا كانت اول عتابات الترقي لهم

و النجاح .

ولكن برغم ذلك، كان لكلية غردون التذكارية التي تم تحويلها فيما بعد إلى جامعة الخرطوم الدور والاثر الكبير والبصمة الواضحة في إثراء الحركة الوطنية والنضال ضد الاستعمار وتزكية الروح الوطنية وصياغة الهوية السودانية وترسخيها.

 

فقد تخرج فيها كثير من القادة والمفكرين الذين سطروا أسماءهم بأحرف من نور في صفحات هذه الأمة، وهم ما عرفوا بالرعيل الأول وصناع الاستقلال. وعلى سبيل المثال: الأستاذ إسماعيل الأزهري، والأستاذ المهندس والمحامي الشاعر محمد أحمد المحجوب، وسر الختم الخليفة وعبيد حاج علي وسليمان كشة وبابكر عوض الله، ومصطفى يوسف التني، وعلي عبد اللطيف، وعبد الفضيل الماظ، وإبراهيم عبود، ودكتور عبد الله الطيب، وغيرهم وغيرهم كثرون لا يسع المجال لذكرهم.

 

من كان عمل بالسياسة والفكر، ومنهم الطبيب والاديب. وقد شكلت جامعة الخرطوم الهوية السودانية ورسمت ملامحها التي لا تخطئها العين ولا ينكرها ذو لب.

 

يتبع…

حفظ الله البلاد والعباد.

جيش واحد شعب واحد.

ودمتم سالمين ولوطني سلام.

الجمعة/ 3/أبريل/2026

‫شاهد أيضًا‬

توجيهات بالإسراع في استكمال أعمال مستشفى الشعب وتحسين الخدمات

قام الدكتور محمود البدري، المدير العام لوزارة الصحة بولاية الخرطوم، بزيارة تفقدية إلى مستش…