الخرطوم.. العودة الآمنة بين لهيب “النفايات” وفخاخ “الموت الموقوت”
شيء للوطن م.صلاح غريبة - مصر

Ghariba2013@gmail.com
تتزامن الذكرى السنوية لليوم العالمي للتوعية بخطر الألغام هذا العام مع مشهد إنساني واجتماعي بالغ التعقيد في قلب الخرطوم؛ حيث تتدافع الأسر السودانية، بروح التحدي والإصرار، في رحلة “عودة طوعية” إلى ديارها وأحيائها القديمة. غير أن هذه العودة، التي تملؤها الأشواق، باتت محفوفة بمخاطر “الموت الصامت” الكامن تحت التراب أو المتربص بين ركام النفايات ومخلفات الحرب.
ما شهدته منطقة “بري” بالخرطوم شرق مساء الجمعة الماضية، لم يكن مجرد حادث عرضي، بل هو “بيان عملي” شديد القسوة لما يمكن أن تؤول إليه الأمور حين تجتمع العفوية مع مخلفات الحروب. فإقدام بعض المواطنين على إشعال حريق في أكوام النفايات – وهو سلوك بيئي واجتماعي معتاد في ظل تعثر خدمات النظافة – أدى إلى انفجار لغم أرضي هزّ أركان المنطقة.
ورغم أن العناية الإلهية قد سلّمت الأرواح والممتلكات، إلا أن “دوي” الانفجار يجب أن يتردد صداه في وعي كل عائد إلى منزله. إن تحرك قوات الشرطة السريع وتأمين الموقع وتطويقه، وإن كان يبعث على الطمأنينة، إلا أنه يضعنا أمام الحقيقة العارية: الأرض التي غادرناها لم تعد كما كانت.
إن أكبر مهدد يواجه العائدين اليوم ليس الرصاص المباشر، بل هو “الجهل الفني” بالتعامل مع الأجسام الغريبة. حرق القمامة، أو محاولة إزاحة الحطام يدوياً، أو حتى فضول الأطفال في استكشاف “الأشياء المعدنية” اللامعة، كلها مشاريع “شهادة اضطرارية” مؤجلة.
يقول المأثور: “الفيلم الذي تراه مرة واحدة، قد لا تراه ثانية”، وفي لغة الألغام، الخطأ الأول هو الخطأ الأخير. إننا بحاجة إلى تحويل “الحذر” من مجرد شعور إلى “سلوك يومي” منضبط.
ديننا الحنيف جعل “إماطة الأذى عن الطريق” صدقة، فكيف إذا كان هذا الأذى عبارة عن متفجرات تزهق الأنفس المعصومة؟ إن الحفاظ على النفس هو أحد الضرورات الخمس في الشريعة الإسلامية، والتعامل باستهتار مع مخلفات الحرب هو نوع من “التهلكة” التي نهانا الله عنها بقوله: ((وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)).
كما أن قيمنا السودانية التي تقوم على “النفير” والتكاتف، يجب أن تتوجه اليوم نحو “التوعية الجمعية”. على كل رب أسرة، وكل شيخ حارة، وكل عائد أن يدرك أن تبليغ الجهات المختصة عن أي جسم مشبوه ليس مجرد إجراء إداري، بل هو واجب شرعي ووطني وأخلاقي يحمي جاره قبل أن يحميه.
إن البيانات التي تصدرها الجهات الأمنية والشرطية ليست لمجرد النشر الإخباري، بل هي “خارطة طريق” للنجاة. إن الاستجابة الفورية لقوات الشرطة في حادثة “بري” تؤكد جاهزية الدولة للتعامل الفني، ولكنها أيضاً تلقي بالكرة في ملعب المواطن، بالتوقف التام عن حرق النفايات في المناطق التي شهدت عمليات عسكرية. والامتناع عن لمس أو تحريك أي جسم معدني أو غريب مهما بدا بسيطاً، وتبليغ السلطات فوراً عبر الأرقام المعروفة أو لأقرب نقطة ارتكاز شرطي.
إن الخرطوم التي تفتح ذراعيها لأبنائها اليوم، تريدهم أحياءً ليبنوا، لا ضحايا يشيعهم جيرانهم. فلتكن عودتنا “عودة واعية”، ولنجعل من إبلاغنا عن المخلفات سلاحنا الأول لتطهير مدينتنا، فالحرب قد تضع أوزارها، لكن ألغامها لا تنام إلا على صيدٍ غافل.
حفظ الله السودان وأهله من كل سوء.
جامعة الدول العربية بين إرث التاريخ وتحديات الحاضر
منذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945، عُوّل عليها أن تكون الإطار الجامع للعمل العربي الم…





