‫الرئيسية‬ مقالات هل أصبحت الحرب الاعلامية أقوى من الرصاص ؟
مقالات - ‫‫‫‏‫ساعتين مضت‬

هل أصبحت الحرب الاعلامية أقوى من الرصاص ؟

دبابيس حارة  عثمان يونس

(1)

حين تصبح الشائعة رصاصة، فإن أخطر ما فيها ليس صوتها، بل أثرها الصامت في العقول. فى البلاد اليوم، لم تكن الحرب مقتصرة على ميادين القتال، بل تجاوزتها إلى فضاء أكثر تعقيد وتأثير ، حيث تدار معركة موازية على الرأي العام، تتقدم فيها الكلمة على البندقية، ويعاد تشكيل الواقع عبر الشاشات قبل أن يتشكل على الأرض.

ما يجري ليس مجرد تدافع معلوماتي أو فوضى منصات، بل حرب نفسية منظمة تدار بعناية عبر شبكات واسعة من الحسابات والغرف الإعلامية، تعمل وفق أهداف محددة تسعى إلى صناعة الخوف، وبث الإحباط، وزعزعة الثقة في مؤسسات الدولة وكل ما يمثل رمزية وطنية. ليكون هذا السيل المتدفق من الرسائل، تصبح الحقيقة أولى الضحايا، ويجد المواطن نفسه محاصرا بين روايات متضاربة، يصعب التحقق من مصداقيتها في ظل تسارع الأحداث .

 

(2)

الخطورة الحقيقية أن الشائعة لم تعد خبرا عابرا، بل تحولت إلى أداة فاعلة قادرة على إعادة تشكيل الرأي العام، خاصة عندما يتم تداولها بكثافة ودون توضيح . ومع تكرارها، تكتسب مظهر الحقيقة، فتنجح في إرباك المشهد العام وإضعاف التماسك الداخلي، وهو ما يمثل هدف استراتيجي لأي حرب تستهدف الدول من الداخل قبل الخارج .

 

(3)

في المقابل، تمضي القوات المسلحة والقوات المساندة في أداء مهامها الميدانية، في صورة تعكس قدرا من التنسيق والانسجام، إلا أن هذا الجهد يواجه تحدي موازي يتمثل في الحملات الإعلامية المضللة التي تسعى إلى التقليل من أثره أو التشكيك فيه. وهنا تتضح فجوة بين ما يجري على الأرض وما ييث في الفضاء الإعلامي، وهي فجوة تستغل بمهارة لصناعة روايات بديلة تخدم أهداف التضليل.

المشكلة لم تكون في نقص المعلومات بقدر ما تظل في غياب المبادرة الإعلامية القادرة على إدارة المشهد بفاعلية. فالإعلام الرسمي، في كثير من الأحيان، يظهر متأخرًا، يكتفي برد الفعل ، ويترك فراغا واسعا تملؤه الشائعات بسهولة. وفي معركة الكرامة، لا يكفي نقل الخبر، بل يصبح من الضروري صناعته وتقديمه في إطار مهني سريع وواضح، يقطع الطريق أمام محاولات التزييف والتلاعب.

 

(4)

إن المرحلة الراهنة تتطلب خطاب إعلامي مختلف، يقوم على الجرأة في الطرح، والوضوح في الرسالة، والسرعة في الوصول، دون التفريط في المهنية أو الدقة. كما تتطلب بناء منظومة إعلامية قادرة على التفاعل اللحظي مع الأحداث، وتوظيف الأدوات الرقمية الحديثة للوصول إلى الجمهور بفاعلية، بدل تركه عرضة للرسائل المضللة التي تصاغ بعناية وتبث بكثافة.

 

(5)

الإعلام لايكون ناقل للأحداث، بل يجب أن يكون جزءا أصيلا من معادلة الصمود. فالمعركة لا تحسم في خطوط المواجهة، بل بقدرة المجتمع على التماسك، وتوعية المواطن بما يحدث حوله. وكلما ارتفع مستوى الوعي، تراجعت الشائعات، وانكشفت أدواتها، وفقدت قدرتها على التأثير.

إن أخطر ما تواجهه المجتمعات في أوقات الأزمات ليس شح المعلومات، بل وفرتها المشوهة. وبين هذا الضجيج، يقف المواطن أمام اختبار يومي يفرض عليه التمييز بين الحقيقة والزيف، وهو أمر لا يتحقق دون إعلام فاعل يقود الرأي العام ويمنحه بوصلة واضحة في زمن الانكسار .

والصمت لم يكون خيارا آمنا ، كما أن الحياد لم يعد موقفا محايدا. فحين تنطلق الشائعة كالرصاصة، فإن مواجهتها لا تكون بالتجاهل، بل بعمل جماعي، وخطاب إعلامي مسؤول، وقدرة مستمرة على كشف الحقيقة قبل طمس معالمها.

 

من زاويتى هذه ارى إن المعركة ما تزال مفتوحة، عنوانها الإدراك، وسلاحها الكلمة، ونتيجتها هي التي سترسم ملامح النهايات.

‫شاهد أيضًا‬

ورشة استراتيجية مفصلية بخرطوم التعافي ..رعاية الطلاب يقود التحول المؤسسي نحو الأداء الذكي

انطلقت صباح امس بقاعة الاجتماعات فعاليات الورشة الحتمية الأولى للفريق الاستراتيجي بالصندوق…