‫الرئيسية‬ مقالات من الدفاع إلى إعادة السيطرة: تحولات الأداء العسكري السوداني خلال الحرب
مقالات - ‫‫‫‏‫29 دقيقة مضت‬

من الدفاع إلى إعادة السيطرة: تحولات الأداء العسكري السوداني خلال الحرب

د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

لم تكن الحرب في السودان منذ اندلاعها في 15 أبريل مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل شكلت اختبارًا معقدًا لقدرة الدولة ومؤسستها العسكرية على التكيف مع صراع متعدد الأبعاد. ومع تطور الأحداث، انتقل الأداء العسكري للقوات المسلحة من مرحلة الدفاع الاضطراري إلى مرحلة أكثر تنظيمًا تهدف إلى استعادة المبادرة وإعادة فرض السيطرة تدريجيًا على مسارح العمليات.

في بدايات الحرب، اتسم المشهد بحالة من الارتباك العملياتي نتيجة طبيعة الهجوم السريع واتساع رقعة الاشتباكات داخل مناطق حضرية مكتظة. هذه الظروف فرضت على القوات المسلحة التركيز على احتواء الصدمة ومنع انهيار البنية السيادية للدولة، أكثر من السعي لتحقيق حسم ميداني سريع. لذلك كانت الأولوية هي حماية مراكز القرار، وتأمين المؤسسات الحيوية، وإعادة تنظيم خطوط القيادة في بيئة شديدة التعقيد.

ومع مرور الوقت، بدأت القوات المسلحة في إعادة هيكلة انتشارها العسكري وفق قراءة أكثر واقعية لطبيعة الصراع. فبدلًا من الردود العشوائية، تم الانتقال إلى نمط دفاعي منظم يقوم على تثبيت المواقع الحيوية، وتقليل نقاط الضعف، وإعادة ضبط سلسلة القيادة والسيطرة. هذا التحول مثّل خطوة أساسية في تقليل الفوضى الميدانية وتحسين القدرة على إدارة العمليات في أكثر من جبهة في وقت واحد.

لاحقًا، برز مفهوم الدفاع النشط كمرحلة انتقالية مهمة في الأداء العسكري. ففي هذه المرحلة لم يعد الجيش يكتفي بصد الهجمات، بل بدأ في تنفيذ ضربات موضعية دقيقة تستهدف إضعاف القدرات اللوجستية والتنظيمية للخصم، بما يقلل من قدرته على المناورة والاستمرار بنفس الزخم. وقد ساعد هذا النمط على إعادة إدخال عنصر المبادرة في المعركة، ولو بشكل تدريجي ومحسوب.

كما لعب عامل الزمن دورًا مهمًا في إعادة تشكيل ميزان القوة. فالحروب الممتدة بطبيعتها تستنزف الأطراف الأكثر اعتمادًا على الهجمات السريعة، وتمنح الأفضلية للطرف القادر على الصمود وإعادة التنظيم. ومع استمرار الحرب، بدأت القوات المسلحة في استثمار هذا العامل عبر تحسين التنسيق بين الوحدات المختلفة وتوسيع نطاق السيطرة في بعض المناطق تدريجيًا.

ولا يمكن فصل هذا التحول العسكري عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالصراع، حيث أثرت الحسابات السياسية والتحالفات المتغيرة على مسار العمليات بصورة غير مباشرة. ومع تغير مواقف بعض الأطراف الإقليمية بمرور الوقت، أصبحت المعادلة العسكرية أكثر ارتباطًا بميزان سياسي متحرك، ما فرض على الجيش التعامل مع الحرب باعتبارها صراعًا طويل المدى وليس مواجهة قصيرة.

في المرحلة المتقدمة من الحرب، بدأت ملامح إعادة السيطرة تظهر بوضوح، حيث انتقلت القوات المسلحة من الدفاع إلى استعادة المواقع الحيوية وإعادة فرض الاستقرار الأمني في مناطق متعددة. هذه المرحلة لا تقتصر على العمليات العسكرية فقط، بل تشمل أيضًا إعادة تنظيم البيئة الأمنية والإدارية لضمان عدم عودة الفوضى أو إعادة تشكل بؤر التمرد.

إن هذا التحول من الدفاع إلى إعادة السيطرة يعكس تطورًا مهمًا في الرؤية العسكرية وإدارة الصراع، حيث لم تعد المعركة تُدار بردود الأفعال فقط، بل وفق استراتيجية تراكمية تهدف إلى استعادة التوازن الميداني تدريجيًا. وفي النهاية، تبقى قدرة الجيش على تحويل الإنجاز العسكري إلى استقرار دائم هي التحدي الأكبر في مرحلة ما بعد الحرب

‫شاهد أيضًا‬

قائد الفرقة الثانية مشاة يكرّم “صغار الشرقية” المتوجين بلقب الدورة الأفريقية لمدارس المتوسطة

استقبل اللواء الركن يوسف محمد أحمد أبو شارب، قائد الفرقة الثانية مشاة، بمكتبه اليوم، بعثة …